kawalisrif@hotmail.com

نيوترينو غامض قادم من أعماق الكون … علماء يرجّحون أن مصدره مجرات بعيدة بثقوب سوداء عملاقة

نيوترينو غامض قادم من أعماق الكون … علماء يرجّحون أن مصدره مجرات بعيدة بثقوب سوداء عملاقة

كشفت أبحاث علمية حديثة عن معطيات مثيرة حول أحد أكثر الجسيمات غموضاً في الكون، بعد أن رجّح علماء أن يكون مصدر أقوى نيوترينو (جسيم دون ذري شبه عديم الكتلة) تم رصده حتى الآن مجرات بعيدة تحتوي على ثقوب سوداء فائقة الضخامة. ويأتي هذا الاستنتاج بعد سنوات من تحليل حدث استثنائي سُجّل سنة 2023 في أعماق البحر الأبيض المتوسط.

وبحسب ما أعلنته فرق علمية دولية، فقد تم تسجيل هذا الجسيم بواسطة التلسكوب البحري لرصد النيوترينوهات “كي إم 3 نيت” (مرصد فلكي علمي ضخم تحت الماء لرصد الجسيمات الكونية)، والمثبت قبالة سواحل جزيرة صقلية الإيطالية. وقد بلغت طاقة هذا الجسيم نحو 220 بيتا إلكترون فولت (وهي وحدة قياس طاقة الجسيمات وتعني مئتين وعشرين مليون مليار إلكترون فولت)، ما يجعله أقوى بكثير من أي نيوترينو تم رصده سابقاً. وتشير التقديرات إلى أنه أكثر طاقة بنحو 40 ألف مرة من النيوترينوهات القادمة من الشمس.

وكان الإعلان الأول عن هذا الاكتشاف قد أثار دهشة واسعة داخل الأوساط العلمية قبل عامين، عندما تمكن جهاز كاشف النيوترينوهات الفلكية عالية الطاقة “آركا” (جهاز علمي متخصص في التقاط الجسيمات الكونية فائقة الطاقة) التابع للمرصد البحري من تسجيل مرور جسيم ميون (جسيم أولي يشبه الإلكترون لكنه أكبر منه كتلة) نتج عن تفاعل نيوترينو كوني بالقرب من أجهزة الاستشعار المثبتة في أعماق البحر. وقد أُطلق على هذا الحدث العلمي اسم الحدث الكوني “كي إم 3 – 230213 – أ”.

وفي هذا السياق، أكد العلماء أن هذا الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة أمام ما يُعرف بـعلم فلك النيوترينوهات، وهو فرع حديث من علم الفلك يعتمد على دراسة الكون من خلال الجسيمات دون الذرية فائقة الطاقة القادمة من الفضاء.

بعد تسجيل هذا الحدث الاستثنائي، شرع مئات الباحثين من مختلف المؤسسات العلمية في تحقيق علمي واسع لتحديد مصدر هذا الجسيم الغامض. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة علم الكونيات وفيزياء الجسيمات الفلكية (وهي مجلة علمية دولية متخصصة في أبحاث الكون والفيزياء الفلكية).

وترجّح الدراسة أن يكون المصدر الأكثر احتمالاً هو ما يُعرف بـالبلازارات، وهي مجرات نشطة للغاية تحتوي في مركزها على ثقوب سوداء فائقة الكتلة تقوم بإطلاق نفاثات هائلة من الطاقة والجسيمات بسرعة تقارب سرعة الضوء في اتجاهات مختلفة عبر الفضاء.

وقد اعتمد العلماء في دراستهم على محاكاة حاسوبية متقدمة (نماذج رقمية تعتمد على الحاسوب لمحاكاة الظواهر الكونية)، حيث جرى اختبار سيناريوهات متعددة يمكن أن تولّد نيوترينوهات ذات طاقة فائقة، ثم مقارنة النتائج بالبيانات الفعلية التي سجلها المرصد البحري.

وأظهرت النتائج أن هذه المجرات النشطة قد تكون مصدرًا محتملاً للنيوترينو الذي تم رصده في البحر الأبيض المتوسط، غير أن العلماء يؤكدون أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البيانات والملاحظات العلمية لتأكيدها بشكل نهائي.

كما حاول الباحثون البحث عن انفجار كوني أو حدث فلكي محدد مثل انفجارات الأشعة السينية أو أشعة غاما (وهي أقوى أنواع الإشعاع الكهرومغناطيسي في الكون)، يمكن أن يتزامن مع وصول النيوترينو إلى الأرض، غير أنهم لم يعثروا على أي ارتباط واضح. وتشير النماذج العلمية إلى أن الجسيم ربما لم ينتج عن انفجار واحد، بل عن تأثير تراكمي لعدة مصادر كونية أضعف مرتبطة ببلازارات بعيدة.

ويُعد النيوترينو واحداً من أكثر الجسيمات غموضاً في الفيزياء الحديثة، إذ يتميز بأنه لا يحمل شحنة كهربائية تقريباً ويمتلك كتلة صغيرة للغاية، كما يمكنه المرور عبر المادة والأجرام السماوية دون أن يتفاعل معها تقريباً. ولهذا السبب يصفه العلماء بأنه رسول كوني خفي يحمل معلومات ثمينة عن الظواهر الأكثر عنفاً وطاقة في الكون.

ولرصد هذه الجسيمات النادرة يعتمد العلماء على مراصد ضخمة مثل مرصد كي إم 3 نيت المثبت على عمق يزيد عن 3500 متر تحت سطح البحر الأبيض المتوسط. ويضم هذا المرصد جهازين رئيسيين:

آركا: وهو كاشف مخصص لرصد النيوترينوهات الكونية عالية الطاقة القادمة من الفضاء.

أوركا: جهاز علمي يركز على دراسة الخصائص الأساسية للنيوترينوهات وطبيعة هذه الجسيمات.

ورغم أن لغز مصدر هذا الجسيم لم يُحسم بشكل نهائي بعد، فإن هذه الدراسة تعزز فرضية مهمة مفادها أن الكون قادر على إنتاج جسيمات تفوق في طاقتها بكثير ما كان يعتقده العلماء سابقاً، ما يفتح الباب أمام اكتشافات علمية جديدة قد تعيد تشكيل فهم الإنسان لأسرار الكون العميق.

09/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts