في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام، تستعد السلطات الإسبانية لترحيل شاب مغربي من مركز احتجاز الأجانب (CIE) في فالنسيا، في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع دخول مسار “التسوية الاستثنائية” للمهاجرين حيز التنفيذ، وهو القرار الذي كان المعنيّ يتهيأ للاستفادة منه بعد سنوات من الإقامة غير النظامية المقرونة بروابط اجتماعية واضحة داخل إسبانيا.
القضية، التي تفجّرت بعد إعادة تفعيل قرار الترحيل رغم تعليق سابق على خلفية طلب لجوء، تعيد إلى الواجهة النقاش الحاد حول تناقضات المنظومة الإدارية الإسبانية في تدبير ملفات الهجرة، خاصة حين يتعلق الأمر بحالات يُفترض أنها ضمن دائرة الاندماج الاجتماعي أو “الاستقرار غير الموثق”.
الشاب المغربي، أوسامة موحوم، الذي يقبع داخل مركز احتجاز الأجانب “زابادوريس” بفالنسيا، أكد في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسبانية أنه تلقى إشعارًا جديدًا بالترحيل محددًا يوم الخميس عند الساعة التاسعة صباحًا، رغم أن ملفه كان قد عرف تطورات إيجابية بعد تقديم طلب لجوء استعجالي أوقف مؤقتًا إجراءات الإبعاد.
لكن القرار عاد ليُفعّل بشكل مفاجئ، في لحظة دقيقة تسبق مباشرة دخول قانون التسوية الاستثنائية حيّز التطبيق، وهو ما جعل قضيته تتحول إلى نموذج رمزي لنقاش أوسع حول من يملك فعليًا حق الاستفادة من هذه الإجراءات ومن يُستبعد منها في اللحظات الأخيرة.
ما يزيد الملف تعقيدًا هو المعطيات الاجتماعية التي تشير إلى أن الشاب المغربي يتوفر على مؤشرات اندماج واضحة داخل المجتمع المحلي، حيث تؤكد تقارير صادرة عن بلدية فيناروس، وفق ما نقلته الصحافة الإسبانية، “سلوكه المدني الجيد” و”التزامه ببرامج الإدماج وتعلم اللغة”.
كما استفاد من برامج اجتماعية وتأهيلية، وسط دعم من منظمات مدنية وجمعيات حقوقية، اعتبرت أن ملفه يندرج ضمن الحالات التي تستوفي شروط البقاء الإنساني والاجتماعي، وليس الإبعاد الفوري.
وبحسب روايته، فقد تم توقيفه بشكل مفاجئ أثناء وجوده في مقهى، قبل أن يُنقل إلى مركز الاحتجاز بدعوى “مراجعة وثائق”، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية مثالًا متكررًا على ما تصفه بـ“المقاربة الصارمة في ضبط الهجرة غير النظامية”، والتي قد تُنتج، في بعض الحالات، قرارات ترحيل لا تراعي تراكمات الاندماج الاجتماعي.
القضية أثارت ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، حيث طالبت جهات برلمانية بضرورة ضمان حق الأشخاص المحتجزين في الاستفادة الفعلية من مسارات التسوية القانونية الجديدة، محذرة من “اختلالات تطبيقية” قد تُفرغ الإصلاحات من مضمونها.
كما شددت جمعيات مناهضة لسياسات الاحتجاز على أن حالة أوسامة تعكس مفارقة صارخة: شاب يملك مؤشرات اندماج واستعداد قانوني للتسوية، لكنه يواجه خطر الترحيل في نفس اللحظة التي يُفترض أن يُفتح فيها باب تسوية وضعه.
بين منطق القانون الصارم ومقتضيات الواقع الاجتماعي، تتكشف هذه القضية كنموذج جديد لإشكالية الهجرة في أوروبا، حيث تتداخل الإجراءات الإدارية مع الاعتبارات الإنسانية، في ملفات لا تُحسم دائمًا بالمنطق القانوني وحده، بل تترك أثرًا عميقًا على مصائر أفراد يعيشون على هامش الاستقرار القانوني.
وفي انتظار دخول قرار التسوية حيز التنفيذ، يبقى مصير أوسامة معلقًا بين رحلتين: واحدة نحو الترحيل، وأخرى كان يعتقد أنها ستقوده إلى تسوية وضعه وبدء فصل جديد من حياته داخل إسبانيا.
15/04/2026