في مشهد يكشف هشاشة الخطاب الرسمي الإسباني، عادت صور ومعطيات ميدانية لتُشعل الجدل من جديد، بعدما رُصدت طائرة نفاثة خفيفة وهي تنفّذ مهامًا مرتبطة برسم الخرائط الجوية في محيط مليلية المحتلة، على مسافة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أميال بحرية شمالًا وجنوبًا.
غير أن اللافت في هذه التطورات ليس فقط طبيعة المهمة، بل المسار الجغرافي الدقيق للتحليق، الذي امتدّ على طول الشريط الساحلي المقابل، مرورًا ببوقانا، وإطلايون، ومارتشيكا، وصولًا إلى بني شيكر، في نطاق جغرافي حساس يُجاور المجال الترابي المغربي بشكل مباشر. وهو ما يضفي على هذه الرحلة بُعدًا يتجاوز الطابع التقني، ليقترب أكثر من مؤشرات ذات دلالات سيادية وأمنية.
هذه المعطيات، التي تبدو في ظاهرها تقنية، تحمل في عمقها تناقضًا صارخًا مع مواقف إسبانية سابقة لطالما شددت على “استحالة” التحليق فوق ما يُعتبر مجالًا أجنبيًا. غير أن الواقع، كما تعكسه هذه الوقائع، يُقدّم صورة مغايرة تمامًا، ويضع أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذه العمليات الجوية وحدودها القانونية.
الطائرة، المصنّفة ضمن الطائرات النفاثة الخفيفة، تُستخدم عادة في مهام دقيقة تشمل التصوير الجوي ورسم الخرائط، ما يرجّح أن العملية لم تكن عابرة، بل تندرج ضمن برنامج تقني منظّم يتطلب تنسيقًا مسبقًا وإجراءات ترخيص واضحة، خاصة في منطقة حساسة جغرافيًا وسياسيًا.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي دقيق، حيث تظل مليلية المحتلة نقطة توتر مزمنة في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى وضعها القانوني والتاريخي. فكل تحرّك جوي في محيطها لا يمكن فصله عن هذا السياق، بل يُقرأ كجزء من تفاعلات أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والسيادية.
في المقابل، يفرض هذا المعطى سؤالًا محوريًا: هل نحن أمام ازدواجية في الخطاب، أم أمام محاولة لتمرير أنشطة حساسة تحت غطاء تقني؟ وهل تتحول هذه التحليقات إلى أمر واقع يُراد تكريسه بصمت؟
من بوقانا إلى بني شيكر، مرورًا بمارتشيكا وإطلايون، لم يكن التحليق مجرد خط على خريطة، بل مسارًا يكشف الكثير مما يُقال في الخفاء. ففي سماء مليلية المحتلة، لا تحلّق الطائرات وحدها، بل تتكشّف أيضًا حدود السرديات الرسمية حين تصطدم بالواقع. إنها رسالة عابرة في الجو… لكنها ثقيلة على الأرض، حيث تتراكم الأسئلة وتضيق مساحات الصمت، في انتظار وضوح لم يعد يحتمل التأجيل.
15/04/2026