أشارككم هذا النص، الذي نُشر على هامش مئوية نهاية حرب الريف، وبمناسبة الصدور المرتقب لمؤلفي الرابع المخصص لهذه الحرب ولبطلها “عبد الكريم”. هي طريقتي الخاصة للتذكير بهذا الحدث المفصلي الذي طبع بقوة تاريخ النصف الأول من القرن الماضي. قراءة ممتعة.
— “حرب الريف.. مئة عام مرت. ومع ذلك، لا شيء مضى حقاً.
حين أفكر في عبد الكريم وفي هذه الذكرى الحزينة، لا أرى تمثالاً، ولا ساحة عمومية، ولا متحفاً نُقش اسمه على جدرانه الرخامية. لا أرى حشوداً مجتمعة أمام نصب تذكاري، ولا مراسم رسمية أقيمت لهذه المناسبة. لا يكاد يوجد شيء مادي يستحضر ذكراه، لا شيء يمكن لمسه أو الإشارة إليه؛ ولا حتى ضريحاً يمكن الوقوف عنده. ورغم ذلك، فهو حاضر، وكذلك الحرب التي خاض غمارها طوال حياة كاملة.
إنهما حاضران في الأصوات التي لا تزال تهمس بأسمائهما، وفي الحكايا التي تُتداول نَمِيماً بكلمات مقتضبة. حاضران في ذلك الفخر الهادئ، الدفين أحياناً، الذي يسكن أفكارنا ويستوطن أحلامنا. إنهما يسكنان تلك الانتصارات “المستحيلة” التي لا نزال نستحضرها وكأنها حدثت لتوّها، وكأن الزمن لم ينل منها شيئاً.
يقال، ويُكرر، إن عبد الكريم خسر هذه الحرب. هذا صحيح؛ فقد كُسر مشروعه، وقُطع مساره، ومُحي، بل كاد يُنتزع منه انتزاعاً. لكنَّ بعض الهزائم لا تموت، بل لا تموت أبداً؛ إذ تظل حية بشكل آخر، في ما أيقظته من ضمائر، وفي ما جعلته مُمكناً.
بعد مئة عام، ما تبقى ليس أرضاً، ولا سلطة، ولا حتى ذاكرة رسمية. ما تبقى هو فكرة. مسارٌ. ومطلبٌ أخلاقي. تبقى تلك الكيفية في الوقوف بشموخ أمام المحتل، وأمام الظلم والإهانة.
هذه الفكرة لم يحبسها أحد في المراسم، ولم يجمدها أحد في المتاحف، لكنها صمدت دون حماية، ودون مؤسسات، ودون ورثة شرعيين. لقد عبرت الزمن مكشوفة، مستندة فقط إلى ذاتها وإلى وفاء أولئك الذين رفضوا نسيانها.
اليوم، وبعد قرن من الزمن، تُطرح علينا مسألة الإرث بجدية بالغة. لأنه إذا غابت الأماكن التي نستذكر فيها، فهناك ضمائر تحمل المشعل. وإذا غابت النصب التذكارية، فهناك أصوات تصدح. وإذا كان البعض قد صمت أو آثر الابتعاد، فلا يزال هناك من يكتب، ومن يفكر، ومن يرفض أن تذوب هذه الذاكرة وتتلاشى.
أنا لا أتحدث هنا بصفتي قاضياً، بل كشاهد؛ كوارثٍ بلا ميراث. لقد تبين لي مع مرور الوقت أننا لم نتسلم شيئاً، سوى تركة أسطورية تقترب من الخيال. وهذه التركة نفسها أصبحت، مع الأيام، حملاً ثقيلاً يجب حمله ونقله؛ مسؤولية غير مادية، لكنها عنيدة. كيف نحافظ على حياة ما لم يتم الحفاظ عليه، وما سُعي إلى تغييبه؟
لكن، حين يغيب الحجر، تبقى الكلمات. وحين تغيب الآثار المرئية، تبقى الذاكرة الجوانية. وحين يبدو أن كل شيء قد مُحي، تظل إمكانية الكتابة قائمة؛ بشرط ألا تختزل الكتابة في مجرد صنيع جمالي، بل أن تكون -قبل كل شيء- قسماً على الوفاء. إنها وسيلة للالتزام بالكلمة أمام أولئك الذين لم يعد بإمكانهم الكلام، وأمام الذين لا يريدون الكلام، وأمام أولئك الذين يودون منعنا من الكلام. نكتب لا لنُمجّد، ولا لنكرر ما قيل، بل نكتب لنستمر، بطريقتنا وبوسائلنا، في إحياء ما نُقل إلينا دون أن يُمنح لنا فعلياً.
ربما هذا هو، في العمق، الميراث الحقيقي لعبد الكريم. فأنا لا أملك نصباً أظهره، ولا مكاناً أشير إليه، لكني أملك هذه الذاكرة، الهشة والملحة، التي ترفض الانطفاء. أملك هذه الصور، وهذه الروايات، وهذا الغياب المثقل بالمعاني. وأملك، فوق كل شيء، ذلك الإيمان بأنه طالما حملنا هذا في دواخلنا، فلن يضيع شيء بصفة نهائية.
وهذه المهمة تقع أيضاً على عاتق أولئك الذين يحملون الذاكرة في أعمالهم: المؤرخون، الفنانون، وكل من يعتبر الكلمة والإبداع شكلاً من أشكال النضال والالتزام”.
بقلم : د. محمد لشقر مرابو
18/04/2026