في مشهد يكاد يُلخّص سنوات من “غضّ الطرف”، خرجت جماعة أزغنغان بإعلان إداري، يوم الثلاثاء، بنبرة حازمة هذه المرة، وكأن المدينة اكتشفت فجأة أن القانون موجود… وأن تطبيقه لم يعد ترفاً. إعلانٌ يقدَّم اليوم كخطوة تنظيمية، لكنه في العمق اعتراف غير مباشر بأن فوضى استغلال المحلات لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الاختلالات، إن لم نقل شيئاً آخر.
الإعلان يدعو، ببساطة متأخرة، إلى ضرورة التحقق من توفر رخصة السكن أو شهادة المطابقة قبل كراء أو استغلال أي محل. دعوة تبدو بديهية في دولة القانون، لكنها في أزغنغان تحولت إلى “حدث إداري” يستحق التعميم، بعدما كانت محلات كثيرة تُفتح وتشتغل وتدرّ الأرباح… دون أن تسألها أي جهة: “من أين جاءت؟”.
ولا يمكن فصل هذا “الاستيقاظ المفاجئ” عن الزخم الذي أحدثته لجان التفتيش في الآونة الأخيرة، خاصة في ظل ما بات يُعرف بـ“شبكة أزغنغان للتجزئ السري”، تلك الظاهرة التي اشتغلت، لسنوات، في هدوء مريب، تُقسّم، تُشيّد، ثم تُحوّل البنايات إلى محلات تجارية جاهزة للاستغلال… في غياب تام لأي رقابة تُذكر، أو ربما في حضور صامت.
مصادر متطابقة تشير إلى أن حملات التفتيش، سواء تلك التي باشرتها السلطات الإقليمية أو التي أعقبت زيارة لجنة تابعة لوزارة الداخلية، لم تكتفِ برصد مخالفات معزولة، بل كشفت عن بنية كاملة من الاختلالات في قطاع التعمير، حيث تحوّل “الاستثناء” إلى قاعدة، و”المؤقت” إلى دائم.
أمام هذا الواقع، وجدت الجماعة نفسها مضطرة لرفع السقف، ملوّحة برفض رخص مزاولة الأنشطة التجارية لكل محل لا يتوفر على الوثائق القانونية، حتى وإن كان “مفروشاً بالرخام ومجهزاً بأحدث التجهيزات”. فالقانون، كما يبدو، لا يعترف بالديكور.
الرسالة هذه المرة واضحة، أو هكذا يُراد لها أن تكون: لا مزيد من الرهان على “الأمر الواقع”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين كان هذا الحزم حين كانت التجزئات السرية تتمدد، وحين كانت المحلات تُفتح بالعشرات دون سند قانوني؟ وهل نحن أمام بداية إصلاح حقيقي… أم مجرد حملة ظرفية أملتها حرارة التقارير والزيارات التفتيشية؟
دعوة الجماعة للملاك لتسوية وضعية ممتلكاتهم تبدو بدورها محاولة لترتيب بيت اختل توازنه منذ سنوات، خاصة مع تزايد شكاوى مواطنين وجدوا أنفسهم ضحايا صفقات في مشاريع “على الورق فقط”، أو داخل بنايات لا وجود قانوني لها إلا في مخيلة سماسرة التعمير.
وبين ضغط لجان التفتيش، ومحاولة الجماعة استعادة زمام المبادرة، تبدو أزغنغان اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تنجح في تفكيك إرث “التجزئ السري” دون أن تُسقط مزيداً من الضحايا؟ أم أن الأمر سينتهي، كما جرت العادة، ببعض القرارات الصارمة على الورق… ومرونة مفرطة على الأرض؟
في الخلاصة، المدينة التي عاشت طويلاً على إيقاع “كل شيء ممكن” تكتشف اليوم أن لكل فوضى فاتورة… وأن “التجزيء السري” لم يكن مجرد خرق قانوني عابر، بل منظومة كاملة، يبدو أن ساعة الحساب فيها قد بدأت، ولو متأخرة.
