لم يعد ملف الهجرة في أوروبا مجرد قضية اجتماعية أو اقتصادية، بل تحوّل إلى خط صدع سياسي حاد، يكشف بوضوح طبيعة التحولات التي تعيشها القارة. وما جرى نهاية الأسبوع بين برشلونة وميلانو لم يكن حدثاً عابراً، بل صورة مكثفة لصراع عميق حول هوية أوروبا ومستقبلها.
في برشلونة، قاد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لقاءً دولياً لقوى اليسار، رُفعت فيه شعارات الدفاع عن الديمقراطية والتعددية، وهي مفاهيم ترتبط ضمنياً بالدفاع عن سياسات أكثر انفتاحاً تجاه الهجرة. غير أن هذا الخطاب، رغم زخمه الدولي بحضور شخصيات مثل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وكلوديا شينباوم، يظل محاصراً بواقع أوروبي داخلي أكثر تعقيداً، حيث تتزايد الضغوط الشعبية والسياسية لتشديد الرقابة على الحدود.
في الجهة المقابلة، عكست ميلانو توجهاً مغايراً وأكثر حدة، حيث قاد ماتيو سالفيني تجمعاً لليمين المتطرف، لم يكتفِ برفض الهجرة، بل ذهب إلى حد الترويج لمفهوم “إعادة الهجرة”، الذي يحمل في طياته دعوات صريحة لإعادة تشكيل البنية الديمغرافية داخل أوروبا. حضور شخصيات مثل خيرت فيلدرز وجوردان بارديلّا يؤكد أن هذا التوجه لم يعد هامشياً، بل أصبح جزءاً من خطاب سياسي عابر للحدود.
التحول الأبرز اليوم هو انتقال الهجرة من كونها ضرورة اقتصادية إلى أداة سياسية. فالقارة الأوروبية، التي تعاني من شيخوخة سكانية ونقص في اليد العاملة، تحتاج فعلياً إلى المهاجرين للحفاظ على توازن سوق الشغل واستمرار بعض القطاعات الحيوية. ومع ذلك، يتم تقديم هؤلاء المهاجرين في الخطاب السياسي، خصوصاً اليميني، كعبء أمني وثقافي.
هذا التناقض يكشف مفارقة عميقة: أوروبا التي تعتمد على المهاجرين في الفلاحة والبناء والخدمات والرعاية الصحية، هي نفسها التي تجعل منهم محور حملاتها الانتخابية، إما عبر الوعود بالترحيل أو بتشديد القيود.
السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً لافتاً في خطاب يربط الهجرة بالجريمة أو “فقدان الهوية”، وهو خطاب يجد صدى لدى فئات متضررة من الأزمات الاقتصادية. هذا الربط، رغم تبسيطه الشديد للواقع، ينجح في خلق حالة من القلق المجتمعي، تُستثمر سياسياً لتبرير سياسات أكثر صرامة.
في المقابل، يجد خطاب اليسار نفسه في موقف دفاعي، حيث يحاول التوفيق بين القيم الإنسانية ومتطلبات الأمن والسيادة، وهو توازن صعب في ظل ضغط الرأي العام.
ما يحدث اليوم ليس مجرد اختلاف في السياسات، بل هو صراع حول تعريف “من هو الأوروبي؟” وهل يمكن لأوروبا أن تبقى فضاءً مفتوحاً ومتعدداً، أم أنها تتجه نحو إعادة الانغلاق تحت ضغط الأزمات؟
وبين هذا وذاك، يبقى المهاجر في موقع هش، يتحول من عنصر فاعل في الاقتصاد إلى موضوع نقاش سياسي، ومن شريك في البناء إلى رقم في معادلة انتخابية.
في النهاية، تبدو أوروبا وكأنها تعيش مفارقة يصعب تجاهلها: تحتاج إلى المهاجرين لتستمر، لكنها تهاجمهم لتكسب الانتخابات.
قارة تستدعي اليد العاملة عند الحاجة، وتستدعي خطاب الخوف عند الاقتراع… وبين الاثنين، يظل السؤال معلقاً: هل المشكلة فعلاً في المهاجر، أم في أوروبا التي لم تعد تعرف ماذا تريد؟
19/04/2026