في وقت يعيش فيه الفضاء الرقمي المغربي حالة من “السيولة الخبرية” التي تختلط فيها الحقيقة بالشائعة، تأتي الندوة التي تحتضنها المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة يوم السبت 25 أبريل، تحت عنوان “دور الإعلام في توجيه الرأي العام ومكافحة الأخبار الزائفة”، كخطوة محمودة في سياقها الزماني والمكاني. لكن، بعيداً عن لغة البلاغات الرسمية المتفائلة، يفرض السؤال النقدي نفسه: هل تستطيع هذه اللقاءات تجاوز عتبة “التنظير” لتلامس عمق الأزمة الهيكلية للإعلام؟
مدرسة المهندسين ورهان “أنسنة” التقنية
من المثير للاهتمام أن تحتضن مؤسسة ذات صبغة تقنية (ENSA) نقاشاً سوسيولوجياً وإعلامياً بامتياز. هذا الاختيار يحمل دلالتين:
الاعتراف بالخطر التقني: أن الأخبار الزائفة (Fake News) لم تعد مجرد تضليل سياسي، بل هي “خوارزميات” معقدة تتطلب وعياً من صنف المهندسين قبل الصحفيين.
انفتاح الجامعة: محاولة ربط الطالب المهندس بقضايا الشأن العام، وهي نقطة تحسب للمنظمين في محاولة لكسر العزلة بين التخصصات العلمية والقضايا المجتمعية.
الإعلام بين “التوجيه” و”التنوير”
يركز عنوان الندوة على “توجيه الرأي العام”، وهو مصطلح يحتاج إلى وقفة نقدية. في الأدبيات الصحفية الحديثة، ننتقل من مفهوم “التوجيه” (الذي قد يوحي بالوصاية) إلى مفهوم “التنوير” و”الإخبار”.
“إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في منع الأخبار الزائفة فحسب، بل في خلق بديل إعلامي يتمتع بالمصداقية الكافية التي تجعل المتلقي ينصرف تلقائياً عن الإشاعة.”
التحديات التي تنتظر “طاولة” الحسيمة
لكي لا تظل هذه الندوة مجرد “تظاهرة بروتوكولية”، يجب على المتدخلين من باحثين وإعلاميين ملامسة النقاط الحارقة التالية:
أزمة المصدر: غياب المعلومة الرسمية السريعة هو الوقود الأول لمحركات الأخبار الزائفة.
التكوين المهني: كيف يمكن لصحفي يعيش وضعاً سوسيو-اقتصادياً هشاً أن يصمد أمام إغراءات “البوز” والنقرات السريعة؟
التربية على الوسائط: ضرورة الانتقال من “توعية المجتمع” إلى تدريس مادة التحقق من الأخبار في المناهج التعليمية.
إن مبادرة مدرسة العلوم التطبيقية بالحسيمة هي حجر في بركة راكدة، وهي اعتراف بأن “الأمن المعلوماتي” لا يقل أهمية عن الأمن التقني. ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي لهذه الندوة لن يقاس بعدد الحاضرين، بل بقدرتها على الخروج بـ “خارطة طريق” عملية تتجاوز تشخيص الداء (الذي بات معروفاً للجميع) إلى اقتراح آليات “فلترة” واقعية تحمي وعي المواطن من التلوث الرقمي.
هل ستنجح الحسيمة في صياغة ميثاق أخلاقي يربط بين دقة الهندسة ومسؤولية القلم؟ السبت القادم كفيل بالإجابة.