تشهد إسبانيا خلال السنوات الأخيرة تحولات ديمغرافية عميقة، جعلت من الهجرة أحد أبرز العوامل المؤثرة في بنية المجتمع، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، في ظل تزايد واضح في عدد المقيمين من أصول أجنبية، وعلى رأسهم الجالية المغربية.
وبحسب معطيات رسمية صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء الإسباني (INE)، تجاوز عدد سكان إسبانيا 49,5 مليون نسمة مع بداية سنة 2026، من بينهم أكثر من 10 ملايين شخص من أصول أجنبية، أي ما يفوق 20% من إجمالي السكان.
وتُظهر الأرقام أن المغاربة يتصدرون قائمة الجاليات الأجنبية في إسبانيا، حيث يقيم أكثر من 968 ألف مغربي حاملين للجنسية المغربية، فيما يرتفع العدد إلى ما يفوق 1,1 مليون شخص إذا أُخذت بعين الاعتبار حالات التجنيس، ما يجعل الجالية المغربية الأكبر من نوعها في البلاد.
وتشير البيانات إلى أن عدد المغاربة المقيمين في إسبانيا يفوق أحياناً سكان بعض الأقاليم الإسبانية، مثل أستورياس، وهو ما يعكس حجم التحول الديمغرافي الذي تعرفه البلاد خلال العقدين الأخيرين.
كما تحتل الجاليات القادمة من أمريكا اللاتينية، خاصة كولومبيا وفنزويلا وبيرو، مراتب متقدمة ضمن الترتيب العام للمهاجرين، في حين تشكل الجالية الرومانية والصينية حضوراً بارزاً أيضاً داخل النسيج السكاني الإسباني.
وتكشف الأرقام أن الهجرة القادمة من إفريقيا وأمريكا اللاتينية تمثل النسبة الأكبر من تدفقات الوافدين الجدد، في سياق يرتبط بعوامل متعددة، من بينها البحث عن فرص عمل، والاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلدان الأصل.
وفي المقابل، تشير تقارير اقتصادية صادرة عن مراكز بحثية إسبانية، من بينها “Funcas”، إلى أن الهجرة أصبحت عنصراً أساسياً في دعم سوق العمل، حيث يشكل العمال الأجانب نسبة مهمة من اليد العاملة، خاصة في القطاعات ذات الطابع الخدمي والفلاحي.
كما تؤكد المعطيات ذاتها أن المهاجرين يساهمون بشكل ملموس في النمو الاقتصادي، في وقت تعاني فيه إسبانيا من تراجع معدلات الولادة وشيخوخة السكان، حيث انخفضت نسبة المواليد بأكثر من 20% خلال السنوات الأخيرة.
ورغم هذا الدور الاقتصادي، يظل ملف الهجرة موضوع نقاش سياسي واجتماعي داخل إسبانيا، بين من يعتبره فرصة لتعزيز النمو، ومن يراه تحدياً مرتبطاً بالإدماج والتوازنات الاجتماعية.
وفي المحصلة، تعكس الأرقام المتوفرة أن إسبانيا تعيش مرحلة انتقال ديمغرافي غير مسبوق، أصبحت فيه الهجرة، وخاصة من دول الجنوب، عنصراً محورياً في إعادة تشكيل الخريطة السكانية والاقتصادية للبلاد.
02/05/2026