كشفت صحيفة إسبانية أن شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات دخلت مرحلة غير مسبوقة من “التحديث التكنولوجي”، معتمدة على ترسانة متطورة تشمل الطائرات المسيّرة والغواصات والأنفاق السرية، في سباق محموم مع الأجهزة الأمنية التي تواجه تحديات متصاعدة يوماً بعد يوم، في ظل تحولات عميقة في أساليب التهريب.
وبحسب المصدر ذاته، نقلاً عن معطيات الحرس المدني الإسباني، فإن مهربي المخدرات “يسبقون دائماً بخطوة”، مستفيدين من إمكانيات مالية ضخمة تمكّنهم من تطوير وسائلهم باستمرار، في وقت تشتكي فيه السلطات من نقص حاد في الموارد البشرية والتقنية، خصوصاً في منطقة مضيق جبل طارق التي تُعد من أبرز بؤر التهريب.
وفي هذا السياق، يؤكد المسؤولون الأمنيون أن التحدي لم يعد يقتصر على حجم العمليات، بل يمتد إلى التحول النوعي في تقنيات التهريب، حيث تم خلال عمليات حديثة حجز طائرات مسيّرة وغواصات متطورة، إضافة إلى اكتشاف أنفاق سرية تحت الحدود في سبتة المحتلة، ما يعكس مستوى عالياً من التنظيم والاحتراف.
أما على مستوى الجو، فقد تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات للمراقبة إلى وسائل متقدمة لنقل المخدرات، خاصة عبر مضيق جبل طارق، حيث يتم برمجتها بإحداثيات دقيقة للوصول إلى نقاط محددة بشكل تلقائي، دون تدخل بشري، كما باتت تُستخدم أيضاً لنقل الشحنات داخل التراب الإسباني.
وتُظهر المعطيات أن هذه الدرونات، رغم اقتنائها بشكل قانوني، يتم تعديلها عبر خبراء في الإلكترونيات والاتصالات، وأحياناً باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ما يمنحها قدرات أكبر على التحمل والتخفي، في وقت تحاول فيه السلطات مواكبة هذا التطور عبر تعزيز تجهيزاتها بطائرات مسيّرة حديثة ومعدات متقدمة.
وبموازاة ذلك، برزت الأنفاق كوسيلة جديدة في تهريب المخدرات، حيث تم سنة 2025 اكتشاف نفقين يربطان المغرب بمدينة سبتة، وكانا يؤديان إلى مستودعات صناعية قريبة من الحدود الوهمية، في عمليات أسفرت عن توقيف أكثر من 30 شخصاً ضمن شبكة تنشط بين عدة مناطق إسبانية.
وتُبرز التحقيقات أن هذه الأنفاق شهدت تطوراً لافتاً، إذ انتقلت من هياكل بدائية ضيقة إلى منشآت مجهزة بسكك لنقل المخدرات وشبكات كهرباء وعزل صوتي، ما يعكس مستوى متقدماً من التخطيط والدقة في التنفيذ، ويؤكد انتقال التهريب إلى مستوى صناعي من التنظيم.
وفي البحر، لجأت الشبكات الإجرامية إلى استخدام درونات مائية وشبه غواصات لنقل المخدرات عبر مضيق جبل طارق، حيث تمكنت السلطات من حجز معدات قادرة على نقل مئات الكيلوغرامات، رغم صعوبة هذا الأسلوب بسبب كثافة الملاحة البحرية نحو موانئ مثل الجزيرة الخضراء.
كما تعتمد بعض الشبكات على أساليب أكثر تمويهاً، من بينها “الشحنات الطفيلية” التي تُثبت بهياكل السفن بواسطة مغناطيس تحت الماء، لتظل مخفية إلى حين استخراجها، وهو ما يزيد من تعقيد عمليات المراقبة ويصعّب مهمة الأجهزة الأمنية في تعقب هذه الأنشطة.
وفي تطور أخطر، كشفت التحقيقات عن استخدام غواصات قادرة على عبور المحيط الأطلسي انطلاقاً من أمريكا الجنوبية، حيث تم اعتراض أول نموذج منها سنة 2019 في بونتيڤيدرا وعلى متنه ثلاثة أطنان من الكوكايين، في سابقة أثارت قلقاً واسعاً.
ومنذ ذلك الحين، تكررت هذه العمليات قبالة سواحل غاليسيا، حيث يتم تفريغ الشحنات في عرض البحر بواسطة زوارق سريعة، في عمليات معقدة تجعل تعقبها أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، نظراً لطبيعتها السرية واتساع نطاقها.
وقد بلغت هذه الظاهرة ذروتها في مارس الماضي، بعد حجز غواصة على بعد 500 ميل من جزر الأزور، كانت تحمل 6.6 طن من الكوكايين، ما يؤكد أن شبكات التهريب باتت تعتمد على وسائل عابرة للقارات بقدرات عالية على التخفي والتنقل.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن شبكات المخدرات دخلت فعلياً عصر التكنولوجيا المتقدمة، مستفيدة من الابتكار والموارد المالية لتطوير أساليبها، في مقابل أجهزة أمنية مطالبة بتحديث أدواتها وتعزيز تنسيقها لمواجهة تهديد متنامٍ وعابر للحدود، خاصة في منطقة المتوسط التي تحولت إلى نقطة عبور استراتيجية.
02/05/2026