تحولت جلسة مناقشة التقرير السنوي لـ المجلس الأعلى للحسابات بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، إلى محاكمة سياسية مفتوحة لحكومة عجزت، بحسب مكونات المعارضة، عن الوفاء بوعودها الاجتماعية والاقتصادية، بعدما فضح التقرير الرسمي حجم الاختلالات التي تحاول الحكومة التستر عليها عبر لغة الأرقام والشعارات البراقة.
ولم تترك فرق المعارضة فرصة الجلسة تمر دون توجيه انتقادات لاذعة للحصيلة الحكومية، معتبرة أن مضامين التقرير شكلت “صفعة قوية” لخطاب الحكومة الذي ظل يسوق لما وصفته بـ”نجاحات وهمية” في ملفات الحماية الاجتماعية والصحة والتشغيل والاستثمار، بينما يعيش المواطن المغربي واقعا مختلفا عنوانه الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.
وأكدت مداخلات النواب أن التقرير كشف اتساع الهوة بين الوعود الانتخابية والواقع، خاصة في ما يتعلق بورش الدولة الاجتماعية الذي قدمته الحكومة كإنجاز تاريخي، قبل أن تظهر تقارير الرقابة استمرار ملايين المغاربة خارج التغطية الصحية والتأمين الإجباري عن المرض، في مشهد يعكس فشل التدبير وضعف الحكامة أكثر مما يعكس نقص الإمكانيات.
وفي هذا السياق، اعتبر حميد الدراق، عن الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية، أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات لم تعد مجرد وثائق تقنية، بل أصبحت تكشف للرأي العام حقيقة الأعطاب البنيوية التي تنخر السياسات العمومية، وتفضح التناقض الصارخ بين خطاب “الدولة الاجتماعية” والواقع اليومي للمغاربة الذين يواجهون صعوبات متزايدة في العلاج والعيش الكريم.
وأضاف أن أزمة استخلاص الاشتراكات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تؤكد هشاشة المنظومة الاجتماعية الحالية، حيث يفقد آلاف المواطنين حقهم في التغطية الصحية بسبب العجز عن الأداء، في وقت تواصل فيه الحكومة تسويق صورة وردية عن نجاح الإصلاحات الاجتماعية.
ومن جهته، شدد عمر الباز، عن فريق الحركة الشعبية، على أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكبرى لا يعني شيئا بالنسبة للمواطن الذي يكتوي يوميا بلهيب الأسعار، مؤكدا أن ارتفاع المداخيل الجبائية لم ينعكس على تحسين الخدمات الاجتماعية ولا على حماية الطبقة المتوسطة التي أصبحت تتحمل عبء السياسات الحكومية دون مقابل حقيقي.
أما نادية التهامي، عن فريق التقدم والاشتراكية، فاعتبرت أن التقرير الرقابي نسف الرواية الحكومية بشأن نجاح الأوراش الاجتماعية، بعدما سجل استمرار البطالة وغلاء المعيشة وتراجع مؤشرات الحكامة وارتفاع المخاوف المرتبطة باستدامة صناديق التغطية الصحية، فضلا عن تعثر إصلاح التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل رغم الوعود المتكررة.
بدوره، انتقد إبراهيم أجنين، عن مجموعة العدالة والتنمية، ما وصفه بضعف تفاعل الحكومة مع توصيات مؤسسات الحكامة والرقابة، معتبرا أن تجاهل ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي السياق نفسه، قالت نبيلة منيب إن استمرار تعثر المشاريع العمومية وهدر الزمن التنموي يكشف فشل الحكومة في التخطيط والتتبع والتقييم، مطالبة بعدم الاكتفاء بالتقارير الرقابية دون ترتيب آثار سياسية وقضائية على المتورطين في سوء التدبير وهدر المال العام.
وكشفت أجواء الجلسة حجم الحرج الذي تعيشه الحكومة أمام الانتقادات المتصاعدة، خاصة بعدما تحولت تقارير المؤسسات الدستورية إلى أدلة تستند إليها المعارضة لتفنيد الخطاب الرسمي، في وقت تتزايد فيه معاناة الأسر المغربية مع الغلاء وتراجع فرص الشغل واتساع الفوارق الاجتماعية، ما يجعل شعار “الدولة الاجتماعية” أقرب إلى وعود انتخابية استهلكها الواقع أكثر من كونها سياسة نجحت على الأرض.
12/05/2026