kawalisrif@hotmail.com

من طنجة إلى قلب أوروبا عبر أعماق البحر.. “المشروع الحلم” الذي قد يغيّر موازين التجارة بين إفريقيا والقارة العجوز

من طنجة إلى قلب أوروبا عبر أعماق البحر.. “المشروع الحلم” الذي قد يغيّر موازين التجارة بين إفريقيا والقارة العجوز

في تطور يعيد إلى الواجهة أحد أكثر المشاريع الجيوسياسية والهندسية إثارة في العالم، يتجدد الحديث بقوة عن مخطط ضخم لربط المغرب بشبه الجزيرة الإيبيرية عبر نفق بحري عملاق، في مشروع قد يحول مضيق جبل طارق من حاجز طبيعي يفصل القارتين إلى بوابة استراتيجية تربط إفريقيا مباشرة بأوروبا.

وتتحدث تقارير إعلامية إسبانية عن تسارع النقاشات والدراسات المرتبطة بالمشروع، وسط اهتمام متزايد من الرباط ومدريد ولشبونة بإطلاق بنية تحتية غير مسبوقة من شأنها إعادة رسم خريطة النقل والتجارة الدولية في المنطقة.

ولم يعد الأمر يقتصر فقط على النفق المرتقب بين المغرب وإسبانيا، بل امتد الحديث إلى مشروع موازٍ يربط المغرب بالبرتغال عبر ممر بحري تحت المحيط الأطلسي، في خطوة وُصفت بأنها قد تُحدث “ثورة لوجستية” بين أوروبا وإفريقيا وتفتح مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي العابر للقارات.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المشروع المقترح يهدف إلى إنشاء نفق بحري ضخم يربط شمال مدينة طنجة بمنطقة الغارف جنوب البرتغال في أفق سنة 2030، عبر بنية تحتية متطورة تضم ممرين منفصلين للسير، إضافة إلى ممر تقني مخصص للطوارئ والصيانة، مع ربطه بالطريق السريع البرتغالي A22.

وتسعى الرباط ولشبونة، وفق المصادر ذاتها، إلى تحويل هذا المشروع إلى شريان استراتيجي جديد للتبادل التجاري والسياحي بين الضفتين، مستفيدتين من الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب باعتباره نقطة عبور رئيسية نحو العمق الإفريقي والأسواق العالمية.

ويرى مراقبون أن عودة هذه المشاريع العملاقة إلى الواجهة تعكس الطموح المغربي المتصاعد لترسيخ مكانته كقوة لوجستية إقليمية ومحور عالمي لحركة التجارة البحرية والبرية، خاصة بعد الطفرة الكبرى التي شهدتها البنيات التحتية الوطنية خلال السنوات الأخيرة.

فميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إلى جانب شبكات الطرق السيارة والقطار فائق السرعة والمناطق الصناعية الكبرى، كلها عناصر تجعل المغرب في موقع مثالي لقيادة مشروع ربط استراتيجي بين القارتين.

كما يُنتظر أن يمنح هذا الربط دفعة هائلة لحركة البضائع والاستثمارات والسياحة، مع تقليص زمن التنقل وتعزيز سلاسل الإمداد الدولية، في وقت يتزايد فيه التنافس العالمي على الممرات التجارية الحيوية.

ورغم الطابع “الثوري” للمشروع، فإن فكرة الربط بين المغرب والبرتغال ليست وليدة اليوم، إذ سبق للطرفين أن ناقشا سنة 2021 إمكانية إطلاق خط بحري مباشر بين ميناء بورتيماو البرتغالي ومدينة طنجة.

وكان مسؤولون برتغاليون قد أكدوا حينها وجود اهتمام مشترك مع الرباط لإحياء المشروع، مع دراسة مختلف الشروط التقنية والاقتصادية الضرورية لإنجاحه، قبل أن يعود الملف اليوم بزخم أكبر ورؤية أكثر طموحًا.

ورغم الحماس الكبير الذي يرافق المشروع، فإن الطريق نحو تحقيقه لا يخلو من تحديات معقدة، خصوصًا في منطقة مضيق جبل طارق التي تُعد واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية وخطورة من الناحية الجيولوجية.

وتشير دراسات إسبانية إلى أن التيارات الأطلسية العنيفة، والأعماق البحرية التي تصل في بعض النقاط إلى حوالي 900 متر، فضلًا عن النشاط الزلزالي الناتج عن التقاء الصفائح التكتونية الإفريقية والأوراسية، تجعل من المشروع تحديًا هندسيًا استثنائيًا قد يتطلب تقنيات غير مسبوقة وتكاليف ضخمة.

كما تفسر هذه المعطيات السبب الذي حال لعقود دون بناء جسر مباشر بين المغرب وإسبانيا، رغم أن المسافة الفاصلة بين البلدين لا تتجاوز 14 كيلومترًا في أقرب نقطة.

ورغم كل العراقيل التقنية والمالية، فإن مجرد عودة هذا الملف إلى الواجهة يعكس تحولات عميقة في الرؤية الاستراتيجية لدول المنطقة، ورغبة متزايدة في تحويل غرب البحر الأبيض المتوسط إلى مركز عالمي للنقل والتجارة والطاقة.

وفي حال نجاح هذه المشاريع العملاقة، فإن المغرب قد يتحول إلى بوابة قارية كبرى تربط إفريقيا مباشرة بأوروبا عبر ممرات بحرية وبرية حديثة، في خطوة قد تُحدث تحولًا تاريخيًا في الاقتصاد العالمي وتضع المملكة في قلب واحد من أهم مشاريع البنية التحتية في القرن الحادي والعشرين.

18/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts