في ظل التوسع المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمية، دعا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي إلى وضع إطار وطني متكامل ينظم استخدام هذه التكنولوجيا ويوجه توظيفها داخل منظومة التعليم والبحث العلمي، محذراً من تداعيات استمرار هذا الانتشار في غياب ضوابط واضحة ومحددة.
وأكد المجلس، ضمن توصية صادقت عليها جمعيته العامة خلال دورتها الثانية عشرة، أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من الواقع اليومي للمتعلمين والمدرسين، ولم يعد مجرد وسيلة رقمية مساعدة، بل تحول إلى عنصر مؤثر في طرق اكتساب المعرفة وأساليب التفكير والتعلم.
وأشار المجلس إلى أن فئات واسعة من الأطفال واليافعين والشباب تتعامل بشكل يومي مع تطبيقات ومنصات تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، غالباً دون معرفة كافية بآليات عملها أو حدود استخدامها، ما يجعل تأثيرها يتجاوز الاستعمالات العرضية نحو إحداث تغييرات عميقة في الممارسات التعليمية.
وأوضح التقرير أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت حاضرة بقوة داخل الفضاء التربوي، سواء في البحث عن المعلومات أو إعداد الدروس والوثائق التعليمية وصياغة المحتويات المختلفة، الأمر الذي يفرض، بحسب المجلس، الانتقال من مرحلة الانبهار بالتكنولوجيا إلى مرحلة تدبيرها وتأطيرها تربوياً ومؤسساتياً.
وفي هذا السياق، نبه المجلس إلى غياب رؤية تنظيمية واضحة تحدد شروط استخدام هذه التقنيات داخل المؤسسات التعليمية، معتبراً أن استمرار هذا الفراغ قد يؤدي إلى تكريس اختلالات يصعب تداركها مستقبلاً، ويزيد من حدة التفاوتات بين المتعلمين والمؤسسات التعليمية بمختلف المناطق.
ورغم هذه التحذيرات، أبرز التقرير الإمكانات الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتطوير العملية التعليمية، من خلال دعم التعلم الفردي، وتكييف المسارات الدراسية مع حاجيات المتعلمين، وتحسين آليات التقييم والمتابعة، فضلاً عن تمكين المدرسين من مواكبة الفروق الفردية داخل الأقسام.
وشدد المجلس على أن الاستفادة من هذه الفرص تظل رهينة بوجود استراتيجية وطنية واضحة المعالم تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي كوسيلة داعمة للتعلم، وليس كبديل عن التفكير والاجتهاد أو عن الأدوار الأساسية للمدرسة والمدرس.
كما حذر من الانعكاسات السلبية المحتملة للاستعمال المبكر وغير المؤطر لهذه التقنيات، خاصة على تنمية مهارات التفكير والتحليل والاستنتاج والتعلم الذاتي لدى الأطفال، إذا تحولت إلى مصدر جاهز للإجابات بدل أن تكون أداة مساعدة على بناء المعرفة.
ودعا المجلس إلى اعتماد مقاربة تربوية متدرجة تراعي خصوصيات كل مرحلة تعليمية، تقوم على حماية المتعلمين وتعزيز المكتسبات الأساسية في التعليم الابتدائي، وتنمية التفكير النقدي وفهم حدود التكنولوجيا في التعليم الثانوي، مع دعم البحث العلمي وضمان احترام قواعد النزاهة الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي.
وفي جانب آخر، نبه التقرير إلى التحديات المرتبطة بالهوية اللغوية والثقافية، محذراً من هيمنة بعض اللغات الأجنبية على نماذج الذكاء الاصطناعي، ومطالباً بضمان حضور فعّال للغتين العربية والأمازيغية داخل هذه المنظومات الرقمية حتى لا تتحول إلى أداة جديدة لتعميق الفوارق المعرفية والثقافية.
كما أثار المجلس ملف السيادة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية، مؤكداً ضرورة التحكم الوطني في البيانات التعليمية وكيفية إنتاجها وتخزينها واستعمالها، مع تقليص الاعتماد على المنصات الأجنبية التي قد لا تنسجم مع المرجعيات القانونية والتربوية المغربية.
وختم المجلس توصياته بالدعوة إلى إحداث هيئة وطنية متخصصة تتولى تتبع وتنسيق تنزيل سياسات الذكاء الاصطناعي في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض هذه التكنولوجيا أو الانبهار بها، بل في توظيفها ضمن مشروع تربوي وطني يوازن بين الابتكار وحماية جودة التعليم والسيادة المعرفية للمغرب.
03/06/2026