قد يبدو للوهلة الأولى أن المبادرة التي قام بها عضو مجلس جماعة الحسيمة، هشام الإدريسي، بشأن ما اعتبره تجاوزات منسوبة إلى أحد مسؤولي الشركة الجهوية متعددة الخدمات، ممارسة رقابية مشروعة تسعى إلى لفت الانتباه إلى اختلالات في تدبير مرفق عمومي. غير أن قراءة أكثر عمقًا تثير جملة من الأسئلة حول حدود هذه المبادرة، ومدى نجاعتها، وما إذا كانت تندرج ضمن ممارسة رقابية مؤسساتية أم أنها تعكس نمطًا جديدًا من “التصريف السياسي” للقضايا الإدارية.
الاستقواء بالسلطة الوصية أم تفعيل الرقابة المؤسساتية؟
يثير لجوء مستشار جماعي إلى مراسلة عامل الإقليم، بدل تفعيل الآليات الرقابية التي يتيحها القانون داخل المجلس الجماعي أو عبر القنوات التعاقدية المؤطرة لعلاقة الجماعة بالشركة، نقاشًا حول طبيعة الرقابة المحلية وحدودها.
ويذهب عدد من المتتبعين إلى أن هذا الأسلوب قد يعكس محدودية توظيف الأدوات المؤسساتية المتاحة للمنتخب، في وقت يفترض أن تشكل اللجان الدائمة، ودورات المجلس، وآليات تتبع تنفيذ عقود التدبير، الفضاء الطبيعي لمساءلة الجهات المفوض إليها تدبير المرافق العمومية.
كما يطرح غياب الإشارة إلى محاضر التتبع أو مداولات لجنة المرافق العمومية أو أي مسطرة رقابية داخل المجلس، تساؤلات حول ما إذا كانت المبادرة استندت إلى مسار مؤسساتي متكامل، أم أنها اكتفت بإثارة الموضوع في الفضاء العمومي.
بين الرقابة والإثارة الإعلامية
من زاوية أخرى، يرى بعض المراقبين أن نقل الخلاف إلى مواقع التواصل الاجتماعي قد يحول النقاش من مساءلة مؤسساتية إلى مواجهة ذات طابع شخصي، خاصة عندما يتم التركيز على مسؤول بعينه بدل مناقشة الاختلالات البنيوية التي قد يعرفها تدبير المرفق.
فإذا كانت هناك تجاوزات فعلية، فإن توثيقها وإحالتها على الجهات المختصة يبقى المسار الأكثر فاعلية، بدل الاكتفاء بإثارة الملف إعلاميًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تأويلات سياسية متعددة.
أين دور المجلس الجماعي؟
السؤال الذي يفرض نفسه أيضًا هو: ماذا قدم المجلس الجماعي من مقترحات عملية لتحسين أداء الشركة الجهوية متعددة الخدمات؟
فالرقابة لا تقتصر على توجيه الانتقادات أو المطالبة بفتح تحقيق، وإنما تشمل كذلك تقديم بدائل عملية، واقتراح تعديلات على آليات التتبع، والمطالبة بافتحاص شامل عند الاقتضاء، بما يعزز الحكامة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
الاختلال البنيوي أم المسؤول الفرد؟
قد يكون التركيز على سلوك مسؤول معين مدخلًا لمعالجة حالة خاصة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل يتعلق الأمر بتصرف فردي، أم أن الإشكال يرتبط بطريقة تدبير المؤسسة ككل؟
فإذا كانت هناك اختلالات متكررة، فإن النقاش ينبغي أن ينصرف إلى منظومة الحكامة وآليات المراقبة والتقييم، بدل الاقتصار على تحميل المسؤولية لأشخاص بعينهم.
الخلاصة
تكشف هذه الواقعة عن إشكال أوسع يتعلق بفعالية الرقابة السياسية على المرافق العمومية محليًا. فالمواطن لا ينتظر فقط تبادل الاتهامات أو نشر التدوينات، بل ينتظر حلولًا ملموسة تضمن جودة الخدمات واحترام حقوق المرتفقين.
ويبقى السؤال المطروح: هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أداة مكملة للرقابة المؤسساتية، أم أنها تحولت لدى بعض المنتخبين إلى بديل عن ممارسة الاختصاصات التي يخولها لهم القانون داخل المؤسسات المنتخبة؟
سؤال مفتوح:
هل يمثل اللجوء إلى الرأي العام عبر التدوينات وسيلة فعالة لتسريع معالجة الاختلالات، أم أنه يعكس محدودية الأدوات الرقابية التي يمارس بها المنتخبون أدوارهم داخل المؤسسات؟
28/06/2026