العدالة الانتقالية ليست آلية للمحاسبة الجنائية
— بقلم : عبد السلام بوطيب
كلما تأملت النقاش العمومي الدائر اليوم في سوريا حول العدالة الانتقالية، ازددت اقتناعاً بأن الخطر الحقيقي الذي يهدد هذا المسار لا يكمن في بطئه فقط، بل في احتمال انزياحه عن روحه الفلسفية والأخلاقية والسياسية.
فالعدالة الانتقالية ليست مجرد تقنية قانونية لإدارة إرث الانتهاكات الجسيمة، وليست كذلك آلية قضائية لتصفية حسابات الماضي أو لإرضاء الرغبة المشروعة للضحايا في الإنصاف. إنها، قبل كل شيء، مشروع سياسي وأخلاقي لإعادة بناء المجتمع والدولة والذاكرة والمواطنة. ولهذا السبب بالذات، فإن السؤال المركزي في أي تجربة للعدالة الانتقالية ليس: «من سنحاكم؟»، بل: «أي مجتمع نريد أن نبني بعد المحاسبة؟».
تبدو الحالة السورية اليوم، بعد سنوات طويلة من الحرب والاستبداد والانهيار الاجتماعي، أمام مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، هناك حاجة أخلاقية وقانونية لا يمكن إنكارها إلى المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب. ومن جهة أخرى، هناك خطر حقيقي يتمثل في اختزال العدالة الانتقالية في بعدها العقابي، وتحويلها من مشروع لإعادة تأسيس المجتمع إلى مجرد إدارة قانونية للماضي، أو، في أسوأ الأحوال، إلى آلية لإنتاج انتصارات سياسية جديدة.
لقد علمتنا التجربة المغربية أن العدالة الانتقالية لا تنجح إلا عندما تصبح ورشاً وطنياً لإعادة بناء الثقة. فالرهان الأساسي لم يكن معاقبة أكبر عدد من المسؤولين، وإنما إعادة بناء العلاقة الأخلاقية والسياسية بين الدولة والمجتمع، وإعادة الاعتبار للضحايا، وترميم الذاكرة الجماعية، وفتح أفق جديد للتعايش المشترك.
إن العدالة الانتقالية، كما أفهمها، ليست عدالة الضحايا ضد الجلادين، ولا عدالة المنتصرين ضد المهزومين، بل هي عدالة المجتمع بأسره ضد شروط إنتاج العنف والاستبداد.
ومن هنا، فإنني أتابع بقلق بعض المؤشرات التي بدأت تظهر في النقاش السوري الراهن. فثمة ميل متزايد إلى اختزال العدالة الانتقالية في مسار المحاكمات، وكأن المحاكمة وحدها قادرة على إعادة بناء مجتمع مزقته الحرب والطائفية والعنف والإقصاء. والحال أن التجارب المقارنة، من جنوب إفريقيا إلى المغرب، ومن الأرجنتين إلى رواندا، أثبتت أن العدالة الجنائية، مهما كانت ضرورية، لا تمثل سوى جزءٍ من منظومة أوسع وأكثر تعقيداً.
إن سوريا لا تحتاج فقط إلى محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات؛ إنها تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية، وتحتاج إلى الاعتراف المتبادل بالمعاناة، وتحتاج إلى تحويل الضحايا من جماعات متنافسة على الاعتراف إلى شركاء في إنتاج حقيقة وطنية مشتركة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية هو أن تتحول الذاكرة إلى ساحة جديدة للصراع.
ولعل أحد أهم التحديات التي تواجه المسار السوري اليوم يتمثل في التوفيق بين مطلب العدالة ومطلب السلم الأهلي. فليس هناك عدالة انتقالية من دون سلم أهلي، كما أنه لا يمكن بناء سلم أهلي دائم على أساس النسيان أو الإفلات من العقاب. إن المطلوب هو إقامة توازن دقيق بين المحاسبة والمصالحة، وبين الحقيقة والاستقرار، وبين الذاكرة والمستقبل.
لقد أظهرت التجربة المغربية أن المصالحة ليست نقيض العدالة، كما أن العدالة ليست مرادفاً للانتقام. فالمصالحة الحقيقية لا تعني طي الصفحة، وإنما تعني القدرة الجماعية على قراءة الصفحة نفسها، والاعتراف بما حدث فيها، ثم الاتفاق على عدم تكراره.
ومن هذا المنطلق، فإن العدالة الانتقالية السورية لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على بناء مؤسسات للمحاسبة دون بناء مؤسسات للذاكرة، ولا إذا ركزت على العقاب دون جبر الضرر، ولا إذا سعت إلى إنتاج حقيقة رسمية واحدة دون الاعتراف بتعدد الخبرات الإنسانية التي عاشها السوريون خلال العقود الماضية.
ذلك أن الرهان الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم ليس فقط محاكمة مرتكبي الانتهاكات، وإنما إعادة بناء السوريين أنفسهم باعتبارهم جماعة سياسية وأخلاقية قادرة على العيش المشترك من جديد. فالعدالة الانتقالية، في جوهرها العميق، ليست عدالة الماضي، بل هي عدالة المستقبل.
ولهذا السبب، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في بطء العدالة الانتقالية، وإنما في فقدان معناها الفلسفي. فعندما تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد تقنية لإدارة العقاب، فإنها تفقد وظيفتها التأسيسية، وتصبح جزءاً من الأزمة بدلاً من أن تكون طريقاً للخروج منها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السوريون اليوم على أنفسهم ليس فقط: «كيف نحاسب؟»، بل أيضاً: «كيف نعيش معاً بعد أن تنتهي المحاسبة؟».
ذلك، في تقديري، هو السؤال الحقيقي للعدالة الانتقالية في سوريا، وفي غير سوريا.
28/06/2026