سلطت دراسة جديدة أعدها الباحث زكرياء أقنوش، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، الضوء على الآليات غير المعلنة التي تؤطر تعيين كبار مسؤولي الإدارة الترابية بالمغرب، معتبرة أن هذه العملية لا تستند فقط إلى المقتضيات القانونية، بل تتداخل فيها اعتبارات سوسيولوجية ومؤسساتية تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية، والحفاظ على الاستقرار، وضمان استمرارية الدولة. وأبرزت الدراسة، المعنونة بـ”المصفوفة الرياضية المتحكمة في تعيينات الإدارة الترابية”، أن فهم هذه التعيينات يقتضي تجاوز القراءة القانونية إلى مقاربة تكشف تفاعل معايير الكفاءة مع عناصر الثقة والولاء والقدرة على تدبير التوازنات المجالية.
وأوضحت الدراسة، التي اطلعت عليها كواليس الريف، أن الدولة تتجه إلى تعزيز الحضور التكنوقراطي داخل الإدارة الترابية من خلال استقطاب كفاءات قادمة من مدارس الهندسة والإدارة والمؤسسات العمومية، تزامنا مع اتساع اختصاصات التنمية والاستثمار على المستوى الجهوي. كما اعتبرت أن هذا التوجه يقابله تضييق تدريجي لهوامش المبادرة السياسية لدى المجالس المنتخبة، في إطار تصور يمنح الأولوية لمنطق النجاعة والمؤشرات. وأكدت أن الكفاءة التقنية لا تمثل المعيار الوحيد في التعيين، إذ تحضر بقوة اعتبارات السلم الاجتماعي، والقدرة على إدارة التوازنات المحلية، وتفادي التوترات التي قد تؤثر في استقرار المجال.
وأشارت الدراسة إلى أن مسارات الارتقاء إلى مناصب الولاة والعمال تتأثر أيضا بشبكات الثقة المؤسساتية وآليات نقل الخبرة داخل الإدارة، إلى جانب مرحلة الفحص الاستعلاماتي التي تتجاوز تقييم الكفاءة المهنية لتشمل الموثوقية المؤسساتية، والاستقرار السلوكي، والقدرة على تدبير الملفات الحساسة. كما تناولت دور التوازنات المجالية والأعيان المحليين في تسهيل تنفيذ السياسات العمومية، مؤكدة أن نجاح المسؤول الترابي يرتبط بقدرته على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين. وأوصى الباحث بتوسيع الدراسات السوسيولوجية حول صناعة النخب الإدارية، لفهم تأثير العلاقات غير الرسمية وآليات التنشئة الإدارية في مسار التعيينات داخل مؤسسات الدولة.
29/06/2026