في مفارقة فرنسية لا تخلو من سخرية سوداء، بدا المشهد وكأن العاصمة التي تُصدّر للعالم قوانينها الصارمة ونقاشاتها الفلسفية حول “النظام العام”، قد اضطرت فجأة إلى التعامل مع نسخة صيفية من “الجمارك الشعبية” بسلطات ميدانية محدودة: طفل في الرابعة عشرة من عمره يوزّع المرور على مزاجه، ويُعيد تعريف مفهوم الجباية على الأرصفة، لا بنصوص القانون بل بزجاجة ماء وجرأة هاتف ذكي. وبينما تنشغل الدولة بتعقيدات العدالة والإجراءات، يتولى “الفاعل غير التقليدي” مهمة ضبط إيقاع الشارع، وكأن باريس اكتشفت متأخرة أن أخطر التحديات الأمنية قد لا تأتي دائماً من أبوابها الكبرى… بل من تطبيق بسيط على شاشة هاتف مراهق يعتقد أن المدينة كلها مجرد لعبة صيفية قابلة للبث المباشر.
بدأت الحوادث في 27 يونيو 2026 ، عندما قرر المراهق، الذي يظهر غالباً بلا قميص، أن يفرض 2 يورو على المارة مقابل رشّهم بالماء، في ظل موجة الحر التي تضرب فرنسا وأوروبا، في مشهد بدا أقرب إلى “جباية صيفية” مبتكرة أكثر منه مجرد مزحة عابرة.
ومع مرور الوقت، لم تعد “المزحات” بريئة كما يصفها البعض، إذ تحدثت تقارير عن استخدام غاز مسيل للدموع في بعض الحالات، إلى جانب اعتداءات لفظية ومطاردات للمارة، بل وحتى حوادث وصلت إلى حدّ الإزعاج الجسدي والدفع في أماكن عامة. وبينما كان يوثق مقاطعه على مواقع التواصل باعتبارها “مغامرات”، بدأت الشرطة الفرنسية تتعامل مع الأمر كقضية أمنية، خصوصاً بعد تزايد الشكاوى من سكان الحي والسياح.
السلطات لم تتأخر كثيراً في التحرك، إذ تم توقيف الفتى مرتين في ظرف أسبوع واحد بتهم مختلفة تتعلق بالسرقة والعنف وإثارة الفوضى وعرقلة عمل الشرطة، في واقعة سرعان ما تحولت إلى جدل وطني داخل فرنسا. وكان الانقسام واضحاً بين من يعتبره مجرد طفل خرج عن السيطرة في ظل فراغ قانوني وتربوي، وبين من يرى أن ما يقوم به تجاوز خطاً أحمر لا يمكن التغاضي عنه، خاصة مع تكرار الأفعال وتوثيقها علناً.
في المقابل، خرج دفاعه القانوني ليؤكد أن الفتى يتعرض لحملة استهداف وتشويه، متحدثاً عن “عنصرية وضغوط اجتماعية” ترافق القضية، بينما يصرّ هو نفسه على أن ما يقوم به مجرد “مقالب” لا تستحق كل هذا التصعيد. وبين رواية طفل يرى نفسه صانع محتوى مرح، ودولة تعتبره ملفاً أمنياً مصغّراً، تبدو المفارقة الفرنسية جاهزة للسخرية: بلد يملك أعقد القوانين في أوروبا، لكنه ما زال يبحث عن صيغة للتعامل مع “شرطي مائي” قرر أن ينظم حركة المرور… برذاذ الماء والغاز.
وفي لحظة تبدو كأنها خرجت من مفارقة سوداء لا يكتبها إلا الواقع، يجد “حمزة الجمارك” نفسه محاصَراً بين صورتين لا تلتقيان: طفل يرى في ما يفعله لعبة صيفية على أرصفة باريس، ودولة ترى في تلك “اللعبة” خرقاً أمنياً يختبر حدود الصبر والقانون. وبين هذا وذاك، تتسع الهوة أكثر مما تتقلص، وكأن المدينة بكل أضوائها لم تعد قادرة على إطفاء شرارة بدأت من هاتف صغير وانتهت عند أبواب المخافر.
وإذا كانت الحكاية في ظاهرها مجرد مقاطع تُبث على “تيك توك” وتُنسى بسرعة، فإن خلفها سؤالاً أكبر يطفو ببطء وقلق: ماذا يحدث حين يتحول اللعب إلى ملف أمني، والطفولة إلى مادة في نشرات الشرطة، والشارع إلى مسرح بلا كاتب ولا مخرج؟ هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين المزاح والعقوبة، يبدو أن فرنسا لا تلاحق طفلاً فقط… بل تلاحق انعكاساً مزعجاً لصورة مجتمع لم يعد يعرف أين ينتهي الترفيه ويبدأ الانفلات، وكأن النهاية لم تُكتب بعد، لكنها تلمّح إلى فصل أشدّ ظلمة مما سبقه.
03/07/2026