في واحدة من أكثر القضايا إثارة التي تشغل الرأي العام في ألبانيا، تحولت صفقة عقارية ضخمة كانت توصف بأنها بوابة لأكبر استثمار سياحي أمريكي في البلاد إلى ملف جنائي معقد، تتداخل فيه شبهات تهريب الكوكايين، وغسل الأموال، وتزوير وثائق الملكية، بعدما أصبح رجل الأعمال الألباني-الأمريكي آرتور شيهو، المطلوب الأول لدى سلطات بلاده، محور تحقيقات قد تعيد رسم ملامح واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ ألبانيا.
ففي يونيو الماضي، أعلنت هيئة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد في ألبانيا إصدار مذكرات توقيف بحق عشرين شخصاً، كان أبرزهم آرتور شيهو، البالغ من العمر 54 عاماً، والذي باع سنة 2024 قطعة أرض على الساحل الألباني بقيمة 110 ملايين يورو إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أجل تشييد مشروع سياحي فاخر رُوّج له باعتباره نقلة نوعية في قطاع السياحة والاستثمار داخل البلاد.
غير أن الأضواء التي رافقت الصفقة سرعان ما تحولت إلى سحابة كثيفة من الشبهات، بعدما أصبحت الأرض نفسها محل نزاع قضائي، وأصبحت الأموال التي دُفعت مقابلها موضوع تحقيقات جنائية، بينما وجد المستثمرون أنفسهم وسط قضية تتشابك فيها الاتهامات مع ملفات قديمة تعود إلى سنوات طويلة.
ولد آرتور شيهو في ألبانيا قبل أن يغادرها إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على اللجوء السياسي عام 2001، بعدما كان قد تقدم بطلب اللجوء سنة 1998. ويؤكد محاميه أن موكله اضطر إلى مغادرة بلاده عقب مقتل شقيقه وعمه على يد عصابات إجرامية، وهي رواية لم تتمكن وسائل إعلام مستقلة من التحقق منها بصورة قاطعة.
وبعد استقراره في مدينة ميامي، واصل شيهو توسيع استثماراته داخل ألبانيا، ليصبح أحد أبرز المستثمرين العقاريين في منطقة فلورا والساحل الألباني، حيث راكم مساحات شاسعة من الأراضي، في وقت كان يؤكد فيه محاموه أن ملكية عائلته لهذه الأراضي تعود إلى أكثر من قرن، منذ الحقبة العثمانية، وأن جميع عمليات البيع تمت وفق القانون.
لكن اسم شيهو لم يكن بعيداً عن اهتمام أجهزة إنفاذ القانون. فقد كشفت تحقيقات صحفية مشتركة أن السلطات الإيطالية اشتبهت خلال تسعينيات القرن الماضي بوجود صلات بينه وبين شبكات لتهريب المخدرات بين ألبانيا وإيطاليا، غير أن تلك الشبهات لم تتحول إلى أي اتهام رسمي، كما قدم لاحقاً وثيقة صادرة عن النيابة الإيطالية تؤكد خلو سجله الجنائي داخل إيطاليا.
وفي سنة 2012، عاد اسمه ليظهر مجدداً في تحقيقات إيطالية مرتبطة باستثمارات عقارية على صلة بأحد المتهمين بقيادة منظمة “ساكرا كورونا يونيتا” الإجرامية، حيث تحدث المدعون عن تحويلات مالية وصلت إلى حسابات مرتبطة به، إلا أنهم أكدوا أيضاً أنهم لم يمتلكوا أدلة كافية لملاحقته قضائياً.
أما اليوم، فتقدم هيئة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد في ألبانيا رواية أكثر خطورة، إذ تؤكد، استناداً إلى وثائق اطلعت عليها وكالة رويترز وقناة TV5 Monde، أن شيهو وعدداً من المتهمين معه اشتروا أراضي بأموال غير مشروعة، ثم قاموا بتزوير وثائق الملكية وإنشاء صكوك مزيفة وتضخيم المساحات الحقيقية للعقارات، قبل نقلها بين عدة أطراف لإخفاء مصدر الأموال وتعقيد مسار تتبعها.
وترى النيابة أن الشبكة المشتبه بها اعتمدت على عائدات تهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية نحو الموانئ الأوروبية، قبل إعادة ضخ تلك الأموال داخل السوق العقارية الألبانية، في واحدة من أكثر عمليات غسل الأموال تعقيداً التي تحقق فيها السلطات خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، لا تزال نزاعات الملكية تزيد القضية تعقيداً، بعدما تقدم اثنا عشر من سكان قرية زفيرنيك بوثائق وإيصالات ضريبية يؤكدون أنها تثبت ملكيتهم للأرض التي يقام فوقها المشروع، فيما يواصل محاميهم مساعيه القضائية لإيقاف أشغال التطوير إلى حين الفصل النهائي في النزاع.
كما سبق لتحقيقات استقصائية أن أشارت إلى احتمال استحواذ شيهو على أجزاء من تلك الأراضي بطرق احتيالية، بينما أظهرت وثائق قضائية أن أحد المقربين منه أُدين سابقاً بتهمة تزوير مستندات عقارية لفائدة عائلته، دون أن توجه أي اتهامات مباشرة إلى شيهو نفسه في تلك الملفات.
وفي خطوة زادت من سخونة القضية، أعلنت هيئة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد تجميد كامل قيمة الصفقة البالغة 110 ملايين يورو، لمنع وصول الأموال إلى شيهو طوال فترة التحقيق، بينما أكدت وكالة رويترز أن ملف القضية لا يتضمن أي اتهامات بحق جاريد كوشنر أو الشركات المطورة للمشروع، كما لا توجد أدلة على علم المستثمرين بالشبهات التي كانت تحيط بالبائع عند إتمام عملية الشراء.
ورغم كل ذلك، لا تزال الحكومة الألبانية متمسكة بالمشروع، وتعتبره استثماراً استراتيجياً، فيما تؤكد الشركة المطورة أن جميع عمليات الاستحواذ على الأراضي تمت وفق الإجراءات القانونية، مع إعلان استعدادها الكامل للتعاون مع السلطات القضائية إذا طُلب منها ذلك.
إلى جانب المعركة القضائية، يواجه المشروع معارضة بيئية وشعبية واسعة بسبب إقامته على ساحل محمي يضم موائل نادرة للسلاحف البحرية وطيور الفلامنغو، الأمر الذي دفع ناشطين إلى إطلاق اسم “ثورة الفلامنغو” على حملتهم المناهضة للمشروع، في مشهد يعكس حجم الانقسام الذي بات يحيط بهذه الصفقة.
لكن أكثر ما يثير القلق أن القضية لم تعد تتعلق بقطعة أرض أو باستثمار سياحي ضخم، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة العدالة الألبانية على كشف ما إذا كانت واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ البلاد قد أُبرمت فوق أرض سليمة قانونياً، أم فوق شبكة معقدة من الوثائق المزورة والأموال المشبوهة.
وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى السؤال الذي يطارد الجميع بلا إجابة: هل كان آرتور شيهو مجرد رجل أعمال طاردته الشبهات لسنوات، أم أن التحقيقات الحالية ستفتح باباً يقود إلى أسرار أخطر بكثير، قد لا تهدد مصير صفقة بـ110 ملايين يورو فقط، بل تكشف ما كان مخفياً خلف واجهة الاستثمار الفاخر… حيث تبدأ الحقيقة غالباً من النقطة التي يعتقد الجميع أن القصة قد انتهت عندها.
14/07/2026