kawalisrif@hotmail.com

بعد 313 عاماً من الصمت.. “خطأ أوترِيخت” يعيد إشعال معركة جبل طارق.. هل سلّمت إسبانيا الملكية فقط وتركت السيادة معلّقة؟

بعد 313 عاماً من الصمت.. “خطأ أوترِيخت” يعيد إشعال معركة جبل طارق.. هل سلّمت إسبانيا الملكية فقط وتركت السيادة معلّقة؟

بعد أكثر من ثلاثة قرون على توقيع معاهدة أوترِيخت، التي سُمّيت نسبة إلى مدينة أوترِيخت الهولندية، ووضعت حداً لحرب الخلافة الإسبانية سنة 1713، عاد ملف جبل طارق ليفجر جدلاً قانونياً وسياسياً داخل إسبانيا، بعدما أعادت أصوات أكاديمية وقانونية طرح تساؤلات بشأن الرواية التقليدية التي تعتبر أن مدريد تنازلت نهائياً عن سيادة الصخرة لصالح بريطانيا.

ويأتي هذا الجدل في توقيت حساس، تزامناً مع بدء مرحلة جديدة في العلاقة بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي عقب الاتفاق الأخير الذي أنهى حقبة السياج الحدودي، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً منذ أكثر من ثلاثة قرون: ماذا تنازلت عنه إسبانيا فعلاً؟

وبحسب دراسة قانونية أعدها الباحث الإسباني مارتين أورتيغا كارثيلين، الباحث البارز في المعهد الملكي “إلكانو”، فإن المادة العاشرة من معاهدة أوترِيخت لا تنص صراحة على نقل السيادة على جبل طارق، وإنما تتحدث عن منح التاج البريطاني الملكية الكاملة للمدينة والقلعة والميناء والتحصينات، مع فرض قيود وشروط يعتبرها الباحث ذات أهمية قانونية كبيرة.

وترى هذه القراءة أن هناك فرقاً جوهرياً بين مفهومي الملكية والسيادة، معتبرة أن بريطانيا حصلت على حق الملكية والانتفاع، وليس على سيادة مطلقة وغير مشروطة على الإقليم، وهو تأويل يرى أصحابه أنه قد يعيد فتح النقاش حول أحد أقدم النزاعات الإقليمية في أوروبا.

ولا يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ تشير الدراسة إلى أن معاهدة أوترِيخت قيّدت التنازل بثلاثة شروط أساسية؛ أولها أن يشمل المدينة والقلعة والميناء فقط دون الأراضي المجاورة، وثانيها منع إقامة اتصال بري دائم مع الأراضي الإسبانية إلا في حالات الضرورة، أما الشرط الثالث فيمنح إسبانيا حق الأولوية في استعادة جبل طارق إذا قررت بريطانيا في أي وقت التخلي عنه أو بيعه أو نقله إلى أي طرف آخر.

ويذهب أصحاب هذا التفسير إلى أن لندن تجاوزت، مع مرور الزمن، حدود ما نصت عليه المعاهدة، خاصة بعد بسط سيطرتها على منطقة البرزخ الفاصل بين جبل طارق وإسبانيا، وهي منطقة يؤكدون أنها لم تكن مشمولة بالتنازل الوارد في معاهدة أوترِيخت.

كما يثير الباحثون تساؤلات بشأن دستور الحكم الذاتي الذي منحته بريطانيا لجبل طارق سنة 2006، معتبرين أن توسيع صلاحيات الإقليم والتأكيد على “السيادة البريطانية” قد يفتح باباً جديداً للنقاش حول مدى توافق تلك الخطوات مع الالتزامات المنصوص عليها في معاهدة أوترِيخت.

ورغم هذه الأطروحات القانونية، فإن الواقع السياسي لا يزال مختلفاً، إذ تواصل المملكة المتحدة إدارة جبل طارق، بينما يتمسك سكان الإقليم، الذين رفضوا في استفتاء سنة 2002 أي صيغة للسيادة المشتركة مع إسبانيا، بالبقاء تحت التاج البريطاني.

وبالنسبة للمغرب، الذي يطل على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، فإن أي تطور في هذا الملف يحظى بمتابعة خاصة، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فضلاً عن تأثير أي تغير في وضعه على التوازنات الأمنية والاقتصادية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وبين نص لاتيني كُتب قبل أكثر من ثلاثة قرون وواقع سياسي فرضته موازين القوى، يعود ملف جبل طارق مرة أخرى إلى قلب النقاش الأوروبي، في وقت لا يبدو فيه أن هذا النزاع التاريخي والقانوني سيطوي صفحته قريباً.

18/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts