kawalisrif@hotmail.com

وجدة :      من تطبيق القانون إلى شطط السلطة.. محضر بوليسي يسبق الحقيقة رغم سريان عقد التأمين

وجدة : من تطبيق القانون إلى شطط السلطة.. محضر بوليسي يسبق الحقيقة رغم سريان عقد التأمين

ليست هيبة القانون في الإكثار من تحرير المحاضر، ولا تُقاس صرامة رجل الأمن بعدد المخالفات التي ينجزها، بل بمدى احترامه للقانون الذي أُنيط به تطبيقه. فالدولة التي تجعل من سيادة القانون أساسًا لشرعيتها، مطالبة قبل كل شيء بأن يلتزم القائمون على إنفاذه بنصوصه وروحه معًا. غير أن ما عاشته أسرة قاصر بمدينة وجدة يثير، بحسب روايتها، تساؤلات مقلقة حول الكيفية التي يُطبَّق بها القانون أحيانًا، عندما تتحول السلطة من وسيلة لحماية الحقوق إلى أداة لفرض الأمر الواقع.

ففي 16 يوليوز 2026، أوقف عنصر أمني تابع للدائرة الثانية للأمن بمدينة وجدة قاصرًا كان يقود دراجة نارية، بدعوى عدم الإدلاء بوثيقة التأمين أثناء عملية المراقبة، قبل أن يتم اقتياده إلى مقر الدائرة الأمنية. وبعد إشعار والده، حضر هذا الأخير محاولًا تسوية الوضع والإدلاء بالوثائق التي تثبت قانونية وضعية الدراجة.

غير أن الأب يؤكد أنه فوجئ برفض منحه أي مهلة لإحضار الوثائق، رغم طلبه ذلك، ليتم تحرير محضر يحمل الرقم 1053 بتاريخ 17 يوليوز 2026، يتضمن أن الدراجة “بدون تأمين”، في خطوة يعتبرها مخالفة للواقع ولمقتضيات القانون.

ووفق الوثائق التي تتوفر عليها الأسرة، فإن عقد التأمين الخاص بالدراجة كان ساري المفعول منذ 14 يوليوز 2026، أي قبل ثلاثة أيام كاملة من تاريخ تحرير المحضر. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن اعتبار مركبة “بدون تأمين”، في حين أن عقد التأمين كان نافذًا قانونًا وقت الواقعة؟ وهل يمكن أن يتحول عدم حمل الوثيقة أثناء المراقبة إلى مبرر لإثبات واقعة تناقض الحقيقة القانونية؟

والأكثر إثارة أن القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق نص، في المادة 24، على أنه في حالة عدم الإدلاء الفوري ببعض الوثائق أثناء المراقبة، يُمنح المعني بالأمر أجل 48 ساعة لتقديمها لدى مصالح الأمن الوطني أو الدرك الملكي، بما يسمح بتسوية وضعيته القانونية وفق المساطر المعمول بها. وتستند الأسرة إلى هذا المقتضى لتعتبر أن رفض منحها هذه المهلة، رغم استعدادها للإدلاء بالوثائق، يطرح علامات استفهام حول مدى احترام الإجراءات القانونية في هذه النازلة.

وبحسب المعطيات التي تقدمها الأسرة، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد مخالفة سير، بل بشبهة شطط في استعمال السلطة، ومحضر حُرر، وفق روايتها، استنادًا إلى معطيات لا تعكس الوضعية القانونية الحقيقية للمركبة. ويزداد الأمر حساسية عندما يتعلق بقاصر، كان من المفترض أن تُراعى وضعيته القانونية وسنه، وأن يُمنح ولي أمره فرصة معقولة لتقديم الوثائق قبل اتخاذ إجراءات قد تترتب عنها آثار قانونية وإدارية.

فمدونة السير لم تُشرع لتكون أداة للعقاب الأعمى، وإنما لتحقيق التوازن بين فرض احترام القانون وصيانة حقوق المواطنين. كما أن فلسفة المشرع تقوم على التمييز بين مخالفة حقيقية تمس السلامة القانونية للمركبة، وبين مجرد عدم حمل وثيقة يمكن الإدلاء بها داخل الأجل الذي حدده القانون.

وتؤكد أسرة القاصر أنها تعتزم وضع تظلم لدى المسؤولين الأمنيين بولاية أمن وجدة، مرفقًا بنسخة من عقد التأمين، مع المطالبة بفتح تحقيق إداري وقانوني في ظروف وملابسات تحرير المحضر، ومراجعة مضمونه على ضوء الوثائق المتوفرة.

إن مثل هذه الوقائع، إذا ثبتت المعطيات المتداولة بشأنها، لا تسيء إلى المواطن فحسب، بل تمس أيضًا بصورة المؤسسة الأمنية التي راكمت خلال السنوات الأخيرة جهودًا مهمة لترسيخ مفهوم شرطة القرب وتعزيز الثقة بينها وبين المواطنين. فالمؤسسات القوية هي التي تُصحح أخطاءها، وتُخضع الجميع للمساءلة، وتُكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويبقى الفيصل في هذه القضية هو التحقيق الإداري والقانوني، الكفيل وحده بتحديد المسؤوليات وكشف ما إذا كان الأمر يتعلق بخطأ في تطبيق القانون أم بتجاوز يستوجب المساءلة.

وفي انتظار أن تقول الجهات المختصة كلمتها، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت وثيقة التأمين سارية المفعول قبل الواقعة، وإذا كان القانون يمنح أجلًا لتقديم الوثائق غير المتوفرة لحظة المراقبة، فعلى أي أساس قانوني تضمن المحضر أن الدراجة “بدون تأمين”؟ وهل أصبح المواطن مطالبًا بإثبات براءته من أخطاء من يفترض أنهم يسهرون على تطبيق القانون؟

إن هيبة الدولة لا تُبنى بمحاضر قد تتعارض مع الوقائع، ولا بسلطة تُمارس خارج حدود القانون، بل بالعدل والإنصاف واحترام الضمانات القانونية التي كفلها المشرع لكل المواطنين.

فإذا كان القانون يُطبق على الجميع، فمن يطبق القانون على من يخطئ في تطبيقه؟ وهل تتحول النصوص القانونية إلى مجرد حبر على ورق عندما يكون المواطن هو الطرف الأضعف؟ تلك أسئلة لا تنتظر تبريرًا، بل تنتظر تحقيقًا شفافًا يضع الحقيقة فوق كل اعتبار.

18/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts