kawalisrif@hotmail.com

رأي :    قبل الحديث عن مستقبل الريف .. دعوة إلى إعادة تقييم مسار العدالة الانتقالية بالمغرب

رأي : قبل الحديث عن مستقبل الريف .. دعوة إلى إعادة تقييم مسار العدالة الانتقالية بالمغرب

عاد ملف الريف إلى واجهة النقاش العمومي، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة، بعدما دعا الفاعل الحقوقي عبد السلام بوطيب إلى جعل تقييم تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب مدخلًا أساسيًا لأي نقاش جاد حول مستقبل المنطقة، معتبرًا أن الحديث عن الديمقراطية والتنمية والعدالة يظل ناقصًا ما لم يسبقه تقييم علمي وموضوعي لما تحقق منذ تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.

ويرى بوطيب أن كل مبادرة أكاديمية أو حقوقية أو مدنية تُنظم داخل الريف وتفتح نقاشًا حول قضايا الديمقراطية أو التنمية أو العدالة تستحق التشجيع، لأنها تسهم في توسيع فضاءات الحوار العمومي وتعزيز النقاش الرصين حول السياسات العمومية. غير أنه يطرح سؤالًا محوريًا: من أي مدخل ينبغي أن ننطلق لمناقشة مستقبل الريف وساكنته؟

ويؤكد أن العدالة الانتقالية ليست مجرد مرحلة لمعالجة انتهاكات الماضي، بل مشروع متكامل لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، يقوم على كشف الحقيقة، والإنصاف، والإصلاح المؤسساتي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ويشير إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح العدالة الانتقالية لا يُقاس فقط بإنجاز آلياتها، بل بقدرتها على ترسيخ قيم المواطنة، وسيادة القانون، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وفي هذا السياق، استحضر ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لسنة 2004 بشأن سيادة القانون والعدالة الانتقالية، والذي اعتبر أن العدالة الانتقالية منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسساتي، وحفظ الذاكرة، بما يضمن بناء مستقبل ديمقراطي مستدام.

وأشار بوطيب إلى أن التجربة المغربية تُعد من أبرز التجارب العربية والإفريقية في مجال العدالة الانتقالية، خاصة مع إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة التي شكلت محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي، من خلال كشف الحقيقة، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وفتح نقاش وطني حول الذاكرة والمصالحة والتنمية.

ورغم ذلك، شدد على أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في اعتبارها تجربة مكتملة، بل في قابليتها للتقييم المستمر، لأن العدالة الانتقالية ليست حدثًا ينتهي بانتهاء مؤسسة، وإنما مسار طويل يتجدد عبر التقييم الدوري، واستخلاص الدروس، وإعادة ترتيب الأولويات وفق التحولات السياسية والاجتماعية.

وانطلاقًا من هذا التصور، دعا إلى طرح أسئلة جوهرية تتعلق بما أنجزته العدالة الانتقالية في منطقة الريف، ومدى تحقيق أهداف جبر الضرر الجماعي، وحفظ الذاكرة، والإصلاح والتنمية، وما الذي لا يزال يحتاج إلى مراجعة أو استكمال.

وأكد أن الهدف من إثارة هذه الأسئلة ليس العودة إلى الماضي، بل توظيف المعرفة التاريخية لبناء المستقبل، معتبرًا أن الذاكرة الديمقراطية ينبغي أن تكون رصيدًا جماعيًا يساعد المجتمع على فهم تاريخه وصياغة مشروعه المستقبلي، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات.

وفي ختام تصوره، دعا عبد السلام بوطيب إلى إطلاق تقييم وطني شامل لتجربة العدالة الانتقالية المغربية، بمشاركة المؤسسات، والجامعات، والفاعلين الحقوقيين، والمجتمع المدني، وسكان مختلف الجهات، معتبرًا أن هذا التقييم لا يمثل مراجعة للماضي بقدر ما يشكل استثمارًا في المستقبل، وأن مستقبل الريف لن يُبنى باستحضار الماضي وحده أو بتجاهله، بل بفهمه فهمًا نقديًا، واستكمال ما لم يتحقق، في إطار رؤية وطنية تجعل من العدالة الانتقالية رافعة للإصلاح الديمقراطي، ومن الذاكرة أساسًا لبناء مستقبل أكثر إنصافًا وتماسكًا.

20/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts