لم تعد تداعيات أزمة سبتة المحتلة محصورة في حدود المدينة أو في الخلافات السياسية والأمنية بين مدريد وروما، بعدما قررت إيطاليا تمديد إجراءات المراقبة المفروضة على المسافرين القادمين من إسبانيا، في خطوة تكشف أن ارتدادات ما جرى في سبتة بدأت تتجاوز الجغرافيا الإسبانية وتصل إلى قلب الفضاء الأوروبي.
وأعلنت الحكومة الإيطالية، اليوم الأربعاء، تمديد العمل لمدة 15 يوماً إضافياً بإجراءات المراقبة في الموانئ والمطارات بالنسبة إلى المسافرين القادمين من إسبانيا، وذلك على خلفية الوضع المرتبط بأزمة الهجرة في سبتة.
وهذه هي المرة الثالثة التي تمدد فيها روما هذا الإجراء، بعدما دخل حيز التنفيذ لأول مرة في فاتح أغسطس الماضي، في قرار قالت وزارة الداخلية الإيطالية إنه يأتي بسبب “الوضع الحالي” في سبتة، ولا سيما استمرار الصعوبات التي سبق رصدها.
ولم تكتف روما بتبرير القرار باعتبارات مرتبطة بالهجرة، بل ربطته صراحة بـتعزيز حماية الحدود الأوروبية وضمان الأمن الوطني والوقاية من التهديدات الإرهابية المحتملة ومكافحتها.
واللافت أن الإجراء الإيطالي يعني عملياً إعادة فرض مراقبة على حركة المسافرين القادمين من دولة عضو في منطقة شنغن، بما يشكل استثناءً من مبدأ حرية التنقل داخل الفضاء الأوروبي.
وقد أبلغت الحكومة الإيطالية المفوضية الأوروبية وباقي وزراء الداخلية في دول الاتحاد الأوروبي بالقرار، فيما تُترجم الإجراءات على الأرض إلى عمليات مراقبة عشوائية في الموانئ والمطارات الإيطالية للمسافرين القادمين من إسبانيا.
وفي مدريد، لم تمر الخطوة الإيطالية مرور الكرام، إذ ردت الحكومة الإسبانية، برئاسة بيدرو سانشيز، بالمثل، وقررت فرض الإجراء ذاته على المسافرين القادمين من إيطاليا إلى غاية 8 أكتوبر المقبل.
وهكذا تحولت الأزمة من مجرد إجراء إيطالي مرتبط بملف الهجرة إلى شد وجذب دبلوماسي داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما اختارت مدريد سياسة المعاملة بالمثل، في مشهد يكشف حجم التوتر الذي بات يحيط بملف الحدود والهجرة داخل القارة الأوروبية.
وكان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قد وصف، في 15 سبتمبر الماضي، استمرار الإجراءات الإيطالية بأنها “عار” و”إجراء عبثي”، بينما اعتبر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني الرد الإسباني بإجراءات مماثلة “عدوانياً دون داع”.
لكن الأرقام التي كشفت عنها السلطات الإيطالية تضيف بُعداً آخر إلى القضية، وتكشف أن الإجراءات لم تكن مجرد قرار رمزي.
فبعد شهر واحد من بدء العمل بها، أعلنت روما أنها قامت بتفتيش أكثر من 180 ألف مسافر قادمين من إسبانيا، ومنعت 31 شخصاً من دخول أراضيها، بينهم ثمانية مغاربة، فيما أوقفت ستة أشخاص آخرين.
وبذلك، لم تعد سبتة مجرد نقطة ساخنة على الضفة الجنوبية لأوروبا، بل أصبحت أزمتها حاضرة في حسابات أمن الحدود والتنقل داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت تكشف فيه التطورات المتلاحقة أن تداعيات أحداث المدينة المحتلة باتت تمتد، خطوة بعد أخرى، إلى خارج الحدود الإسبانية.
وفي الوقت الذي كانت فيه مدريد تحاول حصر تداعيات الأزمة داخل الإطار الإسباني، وجدت نفسها أمام واقع مختلف: إجراءات رقابية إيطالية تتكرر، ورد إسباني بالمثل، وحدود فضاء شنغن نفسه تدخل على خط الأزمة.
وهكذا، يبدو أن شرارة أزمة سبتة لم تعد تتوقف عند مياه المضيق ولا عند حدود إسبانيا، بل بدأت تطرق أبواب أوروبا من الداخل. فبين روما التي تمدد إجراءاتها، ومدريد التي ترد بالمثل، تتحول أزمة الهجرة في سبتة إلى اختبار حقيقي لمبدأ حرية التنقل داخل فضاء شنغن، وقد يكون ما يجري اليوم مجرد بداية لفصول أكثر سخونة في أزمة تجاوزت حدود المدينة المحتلة وأصبحت تفرض نفسها على أجندة العواصم الأوروبية.
30/09/2026