في تطور عسكري يعكس التحول السريع في أساليب القتال الحديثة، نجحت البحرية الملكية البريطانية في تنفيذ تجربة غير مسبوقة تمثلت في إطلاق زورق مسيّر من طائرة نقل عسكرية بواسطة مظلة، في خطوة تهدف إلى تجاوز واحدة من أكبر العقبات التي تواجه الأنظمة البحرية غير المأهولة، وهي إيصالها بسرعة إلى مناطق العمليات. ويُنظر إلى هذه التقنية على أنها قد تمنح القوات البحرية قدرة أكبر على الانتشار في المناطق البعيدة أو التي تفتقر إلى موانئ وبنية تحتية، مع تقليص الوقت اللازم لبدء تنفيذ المهام.
وخلال التجربة، أسقطت طائرة النقل العسكرية إيرباص زورقًا مسيرًا من طراز الكشاف الثالث من ارتفاع يقارب أربعمائة متر فوق بحر الشمال، مستخدمة نظامًا خاصًا يعتمد على منصة تثبيت ومظلة تسمح بإنزال الزورق إلى سطح البحر بشكل آمن قبل أن يبدأ مهمته. وأكدت البحرية البريطانية نجاح أربع عمليات إسقاط خلال ستة أيام، حيث تمكن الزورق نفسه من تحمل عمليات الإنزال المتكررة والعمل في ظروف بحرية وصلت فيها الأمواج إلى نحو مترين وأربعين سنتيمترًا، وهو ما اعتبر مؤشرًا أوليًا على متانة النظام.
ويُعد الكشاف الثالث زورقًا بحريًا غير مأهول طورته شركة بريطانية متخصصة في التقنيات البحرية، ويمكن تشغيله بشكل مستقل أو عن بُعد دون الحاجة إلى طاقم بشري. ويبلغ طوله ثمانية أمتار وأربعين سنتيمترًا، ويستطيع حمل معدات يصل وزنها إلى ستمائة كيلوغرام، بينما قد تصل مدة تشغيله إلى ثلاثين يومًا متواصلة بحسب طبيعة المهمة، مع سرعة تتجاوز مائة كيلومتر في الساعة، ما يجعله منصة متعددة الاستخدامات في البيئات البحرية.
وتؤكد البحرية البريطانية أن الهدف من هذه التقنية هو التخلص من مشكلة استهلاك الوقت والوقود في انتقال الزوارق المسيّرة لمسافات طويلة قبل بدء تنفيذ مهامها. فبدل الإبحار لساعات أو أيام للوصول إلى منطقة العمليات، يمكن للطائرة العسكرية نقل الزورق وإسقاطه مباشرة في الموقع المطلوب، سواء كان بالقرب من سواحل معزولة أو في مناطق تعرضت للتدمير أو لا تتوفر فيها موانئ صالحة للعمل.
ويتيح التصميم المفتوح للزورق تزويده بأنظمة مختلفة بحسب طبيعة المهمة، إذ يمكن استخدامه في الاستطلاع والمراقبة، وحماية السفن، ونقل الإمدادات، وإجلاء المصابين، والحرب الإلكترونية، إضافة إلى تنفيذ ضربات دقيقة عند تزويده بالمعدات المناسبة. كما تسمح بنيته التقنية بتحديث أجهزة الاستشعار والأنظمة الإلكترونية دون الحاجة إلى إعادة تصميم المنصة بالكامل، وهو ما يمنحه مرونة كبيرة لمواكبة التطورات المتسارعة في التقنيات العسكرية.
وتندرج هذه التجارب ضمن مشروع خلية النحل الذي تعمل من خلاله البحرية الملكية على بناء أسطول يجمع بين القطع البحرية التقليدية والمنصات غير المأهولة. وكانت لندن قد وقعت في مارس ألفين وستة وعشرين عقدًا بقيمة اثني عشر مليونًا وثلاثمائة ألف جنيه إسترليني لاقتناء عشرين زورقًا من هذا الطراز، ستُستخدم في العمليات العسكرية والتدريب وتطوير القدرات لدى وحدات القوات الساحلية وقوات الكوماندوز البحرية.
ويأتي هذا التوجه البريطاني في ظل الدروس التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا، حيث أثبتت الزوارق والطائرات المسيّرة قدرتها على تغيير قواعد الاشتباك في البحر. وترى لندن أن مستقبل العمليات البحرية سيعتمد بشكل متزايد على الأنظمة غير المأهولة التي تعمل إلى جانب السفن التقليدية، مع توفير سرعة أكبر في الانتشار وخفض المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود.
ورغم النتائج الإيجابية للتجارب الأولى، فإن الخبراء يشيرون إلى أن الطريق لا يزال طويلًا قبل اعتماد النظام بشكل كامل في العمليات القتالية، إذ لم تُختبر بعد قدرته على العمل في ظروف بحرية أكثر قسوة أو في بيئات تشهد تشويشًا إلكترونيًا وانقطاعًا للاتصالات. ومع ذلك، فإن نجاح عمليات الإسقاط الأولى يمثل خطوة مهمة في تطوير جيل جديد من الوسائل البحرية الذكية، قد يعيد رسم ملامح الحروب البحرية خلال السنوات المقبلة.
20/07/2026