في أول تحرك دبلوماسي كبير عقب تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026، يتوجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم الإثنين، إلى الجزائر في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية بالغة الحساسية، يتصدرها تعزيز إمدادات الغاز الجزائري ومحاولة طي صفحة التوتر التي خيمت على العلاقات بين مدريد والجزائر منذ سنة 2022، دون التراجع عن الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وتأتي هذه الزيارة في ظرف إقليمي ودولي دقيق، إذ تسعى مدريد إلى إعادة بناء الثقة مع الجزائر، التي تُعد أحد أهم مزوديها بالطاقة، بالتوازي مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية التي نسجتها مع المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ويتصدر الملف الطاقي أجندة سانشيز، إذ تعتمد إسبانيا بشكل كبير على الغاز الجزائري، الذي يمثل ما بين 30 و35 في المائة من إجمالي وارداتها من الغاز الطبيعي.
ولهذا الغرض، يرافق رئيس الحكومة الإسبانية وفد اقتصادي رفيع يضم مسؤولي كبريات شركات الطاقة الإسبانية، من بينها Naturgy وRepsol وMoeve وEnagás، لعقد لقاءات مع شركة سوناطراك الجزائرية، بهدف التفاوض بشأن زيادة كميات الغاز المصدرة إلى إسبانيا، ومناقشة الأسعار والعقود المستقبلية، مع دراسة إمكانية رفع قدرة أنبوب ميدغاز بنحو 10 في المائة.
وتراهن مدريد على تأمين احتياجاتها الطاقية في ظل استمرار التقلبات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، خاصة بعد تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي.
ورغم الرغبة الإسبانية في إنهاء الأزمة مع الجزائر، تؤكد الحكومة الإسبانية أنها لن تتراجع عن موقفها الذي تعتبر فيه مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
وبحسب تقارير إعلامية إسبانية، فإن حكومة سانشيز لا تنوي إعادة فتح النقاش حول هذا الملف، رغم إدراكها لحساسيته بالنسبة للسلطات الجزائرية، التي تُعد الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو.
ويعكس هذا الموقف حرص مدريد على الحفاظ على التوازن بين استعادة العلاقات مع الجزائر وعدم المساس بالتفاهمات الاستراتيجية التي أرستها مع الرباط، والتي أعادت رسم خريطة العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، لا ترغب الجزائر في حصر علاقاتها مع إسبانيا في قطاع الطاقة فقط، بل تسعى إلى جذب الاستثمارات الإسبانية في مجالات الصناعة، والبنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والزراعة، والنقل.
وترى الأوساط الاقتصادية الإسبانية أن السوق الجزائرية توفر فرصًا مهمة للشركات الإسبانية، خاصة بعد عودة العلاقات التجارية إلى مسارها الطبيعي عقب سنوات من الجمود.
وتُعد زيارة سانشيز أول زيارة رسمية بهذا المستوى منذ انفراج العلاقات بين البلدين، بعد أشهر من الاتصالات السياسية التي قادها وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس.
ويرى مراقبون أن نجاح الزيارة سيُقاس بقدرة الطرفين على فتح صفحة جديدة من التعاون الاقتصادي دون إعادة إشعال الخلافات السياسية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، الذي ما يزال يمثل أكبر نقطة تباين بين مدريد والجزائر.
وبين حاجة إسبانيا الملحة إلى الغاز الجزائري، وتمسكها بشراكتها الاستراتيجية مع المغرب، يجد بيدرو سانشيز نفسه أمام مهمة دبلوماسية دقيقة، عنوانها تحقيق المصالح الاقتصادية دون التضحية بالتوازنات السياسية التي بنتها مدريد مع الرباط خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الساعات المقبلة: هل تنجح الجزائر وإسبانيا في دفن سنوات القطيعة وفتح صفحة جديدة عنوانها الغاز والاستثمارات، أم أن ملف الصحراء المغربية سيظل الحاضر الغائب الذي يفرض نفسه على كل مصافحة وكل اتفاق؟ وبين حسابات الطاقة وتعقيدات الجغرافيا السياسية، يخوض بيدرو سانشيز اختبارًا دبلوماسيًا بالغ الحساسية، قد يرسم نجاحه ملامح مرحلة جديدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، بينما قد يعيد أي تعثر شبح الأزمة إلى الواجهة من جديد.
20/07/2026