kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا :         «مرحبا» تفضح جشع طريفة … يريدون أموال المغاربة ولا يريدون سياراتهم ! حين تصبح مليارات العبور «نعمة» والفوضى «ذنباً مغربياً»

إسبانيا : «مرحبا» تفضح جشع طريفة … يريدون أموال المغاربة ولا يريدون سياراتهم ! حين تصبح مليارات العبور «نعمة» والفوضى «ذنباً مغربياً»

يبدو أن بعض رجال الأعمال في مدينة طريفة الإسبانية يريدون من المغاربة معادلة اقتصادية عجيبة لا وجود لها إلا في قاموسهم: مرحباً بأموالكم، وأهلاً بمداخيلكم، ونرحب بكل ما تنفقونه في الفنادق والمطاعم والمقاهي ومحطات الوقود والمتاجر والموانئ، لكن رجاءً لا تتركوا وراءكم سياراتكم!

هكذا يمكن اختصار جوهر الخطاب الذي خرجت به فيدرالية جمعيات رجال الأعمال في طريفة، وهي تشتكي من «اختناق» المدينة بسبب عملية العبور «مرحبا»، وتطالب السلطات بالتدخل، بل تذهب أبعد من ذلك إلى الدعوة إلى وقف استخدام المدينة كنقطة عبور نحو المغرب إلى حين توفير البنيات التحتية الضرورية.

لكن قبل توزيع الاتهامات وإلقاء اللوم على آلاف المغاربة الذين يعبرون نحو وطنهم، كان من المفترض أن يطرح أصحاب هذا الخطاب سؤالاً بسيطاً: كم من الأموال يتركها هؤلاء المسافرون في الاقتصاد الإسباني خلال رحلة الذهاب إلى المغرب ورحلة العودة إلى أوروبا؟

فالمغربي المقيم بالخارج لا يعبر الأراضي الإسبانية كجسم غريب لا أثر له، بل يمر عبر شبكة اقتصادية ضخمة تبدأ من الوقود، وتمر بالمطاعم والمقاهي والمتاجر والفنادق ومواقف السيارات والخدمات المختلفة، وصولاً إلى الموانئ والنقل البحري. وكل سيارة تحمل عائلة مغربية تعني إنفاقاً، وكل توقف على الطريق يعني نشاطاً اقتصادياً، وكل رحلة ذهاب وإياب تترك وراءها مداخيل تستفيد منها شركات ومؤسسات ومهنيون في الضفة الإسبانية.

والأكثر إثارة للاستغراب أن المقال الإسباني يتحدث عن «عبء» عملية «مرحبا» وكأن المغاربة يعبرون طريفة مجاناً، وكأن اقتصاد المدينة لا يستفيد من هذه الحركة، وكأن الموانئ والطرق ومحطات الوقود والمطاعم والمتاجر لا ترى في موسم العبور فرصة اقتصادية ضخمة.

إذا كانت طريفة تعاني من ضعف الطرق، فهذه ليست مسؤولية المغاربة. وإذا كانت إشارات المرور ناقصة، فالمغربي لم يضعها. وإذا كانت مناطق الانتظار غير كافية، فالمسافر لم يصمم البنية التحتية. وإذا كان وسط المدينة يختنق بالسيارات، فالسؤال يجب أن يوجه إلى الجهات التي تعرف منذ سنوات أن عملية «مرحبا» ستعود في الصيف نفسه، وبالأعداد نفسها تقريباً، وليس إلى العائلات التي تقطع آلاف الكيلومترات للعودة إلى وطنها.

المفارقة أن رجال الأعمال يشتكون من حركة العبور في الوقت الذي يفترض أن يكونوا أول المستفيدين منها. فالمسافر الذي يتوقف لشراء الوقود يدعم محطة، والذي يتناول وجبة ينشط مطعماً، والذي يشتري حاجيات الطريق ينعش متجراً، والذي يضطر إلى قضاء ليلة في فندق يرفع مداخيل القطاع السياحي، فضلاً عن الأموال التي تتحرك في الموانئ وشركات النقل والخدمات اللوجستية.

وبعبارة أوضح: المغربي الذي يعبر إسبانيا في اتجاه المغرب أو عائداً منه ليس مجرد سيارة في طابور؛ إنه مستهلك ينفق، ومواطن يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في تحريك عجلة اقتصاد الضفة الشمالية.

كان يمكن لفيدرالية رجال الأعمال أن تقول إن هناك اختناقاً، وأن تطالب بتوسيع الطرق وبناء مواقف للانتظار وتحسين التشوير وتطوير الموانئ. وكان يمكن أن تطالب الدولة الإسبانية باستثمار جزء من المداخيل الاقتصادية التي تحققها حركة العبور في البنية التحتية التي تستقبلها. هذا خطاب منطقي ومقبول.

لكن أن تتحول عملية «مرحبا» إلى متهم، وأن يصبح المغربي العائد إلى بلده هو المشكلة، وأن يصل الأمر إلى المطالبة بإبعاد طريفة عن خريطة العبور، فهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يريد هؤلاء فعلاً التخلص من «الفوضى» أم التخلص من تبعات استقبال حركة بشرية واقتصادية يستفيدون منها عندما تكون في صالحهم؟

إن كانت طريفة تريد أن تكون بوابة استراتيجية بين أوروبا والمغرب، فعليها أن تدرك أن الموقع الجغرافي ليس مجرد بطاقة سياحية تُرفع في وجه الزوار، بل مسؤولية تتطلب الاستثمار والتخطيط. لا يمكن أن تستفيد من موقع المدينة عندما تكون الموانئ ممتلئة والمطاعم مزدهرة ومحطات الوقود تعمل بأقصى طاقتها، ثم تتنصل من مسؤولياتها عندما ترتفع حركة السيارات وتبدأ كلفة التنظيم في الظهور.

والحقيقة أن ما يحدث يكشف مفارقة صارخة: هناك من يريد مداخيل «مرحبا» دون كلفة «مرحبا»، ويريد إنفاق المغاربة دون سياراتهم، ويريد المستهلك دون الازدحام، والربح دون الاستثمار، والسائح دون الطريق الذي يحمله إلى وجهته.

ثم إن عملية «مرحبا» ليست مفاجأة موسمية. إنها موعد سنوي ثابت، يعرفه الجميع، وتستعد له الدول والمؤسسات منذ أشهر. فلماذا لا تُخصص مناطق انتظار كبرى؟ لماذا لا يتم توسيع المداخل؟ لماذا لا يتم تحسين التشوير؟ ولماذا لا يتم الاستثمار في بنية تحتية تستفيد من التدفقات المالية التي ترافق هذا العبور؟

المغاربة لم يطلبوا من طريفة أن تكون بوابة العبور. الموقع الجغرافي هو الذي جعلها كذلك، والسلطات هي التي اختارت أن تستفيد من هذا الموقع. وإذا كان العبور يدر مداخيل على الموانئ والشركات والقطاعات التجارية والخدماتية، فمن الطبيعي أن يواكبه استثمار حقيقي في البنية التحتية.

أما اختزال الأزمة في السيارات المغربية، فهو هروب من أصل المشكلة، ومحاولة لتحويل المسافر إلى كبش فداء لفشل إداري وتخطيط متأخر.

والأغرب أن هؤلاء المغاربة أنفسهم، عندما يعودون إلى أوروبا بعد قضاء عطلتهم في المغرب، سيعيدون ضخ الأموال في الاقتصاد الإسباني من جديد: وقود، مطاعم، استراحات، فنادق، تسوق، خدمات ومصاريف سفر. أي أن رحلة «مرحبا» ليست طريقاً في اتجاه واحد، بل دورة اقتصادية تمتد من أوروبا إلى المغرب ثم تعود إليها، ويستفيد منها طرفا المتوسط بدرجات مختلفة.

فهل يعقل أن يتم التعامل مع هذه الدورة الاقتصادية باعتبارها «مشكلة» فقط عندما تظهر السيارات على الطرقات؟

هنا تحديداً تتوقف الحكاية عن كونها مجرد خلاف حول حركة المرور، وتتحول إلى اختبار حقيقي لمدى احترام الضفة الأوروبية للمغاربة الذين يعبرون أراضيها. فالمغربي ليس مجرد رقم في إحصائيات الموانئ، ولا مجرد سيارة في طابور، ولا مجرد زبون يُرحب به حين يفتح محفظته ثم يُطلب منه الاختفاء عندما تصبح بنيات المدينة عاجزة عن استيعابه.

وفي نهاية هذا المشهد، يبقى السؤال معلقاً مثل لقطة أخيرة في فيلم غامض: ماذا سيحدث لو قرر المغاربة، ذات يوم، أن يسألوا بدورهم عن فاتورة العبور؟ ماذا لو قالوا إنهم لن يدفعوا ثمن الوقود في محطاتكم، ولن يتوقفوا في مطاعمكم، ولن ينفقوا في متاجركم، ولن يعبروا موانئكم إلا بالقدر الضروري؟ هل ستظل «مرحبا» حينها مجرد «كابوس» كما يصورها البعض، أم ستتحول فجأة إلى «نعمة» مفقودة يبحث عنها الجميع؟ وربما عندها فقط، عندما تختفي طوابير السيارات ويصمت هدير محركاتها، سيكتشف البعض أن المشكلة لم تكن في المغاربة… بل في أولئك الذين أرادوا أموالهم، لكنهم لم يريدوا أن يروا وجوههم.

21/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts