بقلم: كريم سكوري
كلما امتلأت الشاشات بصور مئات، بل آلاف، الشباب المغاربة وهم يحاولون الوصول إلى سبتة ومليلية، ينصرف النقاش العام إلى النتائج المباشرة لهذه المشاهد، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية: لماذا وصل جزء من شبابنا إلى هذه المرحلة؟ وما الذي يدفعهم إلى المجازفة بحياتهم من أجل عبور حدود قد لا يصلون إليها أصلًا؟
من السهل اختزال الظاهرة في البطالة أو الفقر، لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا. فما نعيشه اليوم، في تقديري، ليس أزمة شغل فقط، ولا أزمة تعليم فقط، ولا أزمة تربية أو قيم أو صحة نفسية بمعزل عن غيرها، بل هو تداخل بين عوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية وثقافية ونفسية، تراكمت على مدى سنوات حتى أفرزت هذا المشهد المقلق.
لا شك أن الدولة تتحمل مسؤولية أساسية في توفير فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وهي مسؤوليات لا يمكن التنصل منها. غير أن تحميل الدولة وحدها كامل المسؤولية لا يفسر كل ما يجري، ولا يساعد على فهم الظاهرة في جميع أبعادها.
وفي المقابل، يشتكي أرباب المقاولات وأصحاب المصانع والفلاحون وشركات النقل ومختلف الفاعلين الاقتصاديين من خصاص حقيقي في اليد العاملة. فقطاع البناء يعاني، والفلاحة تعاني، والصناعة تعاني، والمطاعم والفنادق تعاني، وشركات الأشغال العمومية تعاني، كما يعاني قطاع النقل بدوره من نقص واضح في الموارد البشرية المؤهلة.
بل إن بعض الأعمال الفلاحية أصبحت تؤدى بأجور تصل إلى نحو 300 درهم في اليوم، ومع ذلك يجد أرباب العمل صعوبة في إيجاد من يقبل بها. كما تبحث شركات عديدة عن سائقي الشاحنات، ومشغلي الآليات الثقيلة، والكهربائيين، والسباكين، واللحامين، والتقنيين، دون أن تتمكن من سد حاجياتها.
وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت فرص العمل متوفرة في عدد من القطاعات، فلماذا يستمر هذا الخصاص؟ وهل تكمن المشكلة فقط في ندرة فرص الشغل، أم أن جزءًا منها أصبح مرتبطًا بثقافة العمل، وبمدى استعداد بعض الشباب لاكتساب المهارات المطلوبة والانخراط في المهن التي يحتاجها الاقتصاد؟
الأمر نفسه يطرحه عدد من رجال ونساء التعليم، الذين يتحدثون عن ارتفاع نسب الغياب، وضعف الاهتمام بالدراسة، وتراجع الإقبال على التكوين المهني، وضعف القراءة، وقلة الاجتهاد في تطوير الذات لدى فئة من التلاميذ والشباب.
ومن هنا يبرز تساؤل آخر: كيف يمكن المطالبة بفرص عمل جيدة دون الاستثمار في التكوين واكتساب الكفاءات؟ وكيف يمكن لسوق الشغل أن يستوعب شبابًا لا يمتلك بعضهم المهارات الأساسية التي تتطلبها المهن الحديثة؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فحوادث السير التي تحصد أرواح الشباب، خاصة مستعملي الدراجات النارية، أصبحت مشهدًا يوميًا مؤلمًا. فالقيادة المتهورة، والسرعة المفرطة، وعدم احترام قانون السير، وإهمال وسائل السلامة، وعلى رأسها الخوذة الواقية، كلها سلوكات تستدعي التوقف عندها. وقد يرى البعض أنها تعكس لدى جزء من الشباب نزعة إلى التقليل من المخاطر والرغبة في تحقيق كل شيء بسرعة، دون تقدير للعواقب.
وربما يفرض هذا الواقع سؤالًا أكثر جرأة: هل أصبحنا أمام جيل يريد اختصار الطريق؟ جيل يبحث عن النجاح قبل التعلم، وعن المال قبل العمل، وعن المكانة الاجتماعية قبل اكتساب الخبرة؟
لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت، بدرجات متفاوتة، في ترسيخ صورة مضللة عن النجاح، حيث يظهر الثراء وكأنه يتحقق في أيام قليلة، بينما تغيب عن المشهد سنوات الاجتهاد والانضباط والعمل المتواصل التي تصنع النجاحات الحقيقية.
إن بناء الإنسان لا يبدأ عند باب سوق الشغل، بل يبدأ داخل الأسرة، ثم المدرسة، ثم التكوين، ثم الرياضة، ثم اكتساب الخبرة، ثم تحمل المسؤولية. ولذلك فإن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تتم من خلال مقاربة أحادية، بل تتطلب تكامل أدوار الأسرة والمؤسسة التعليمية والإعلام والمؤسسات العمومية والمجتمع ككل.
فالمدرسة مطالبة باستعادة دورها التربوي إلى جانب دورها التعليمي، والأسرة مطالبة بإعادة الاعتبار للتربية وغرس قيم المسؤولية والعمل قبل الانشغال بالكماليات، كما أن الإعلام مطالب بإبراز نماذج نجاح حقيقية قائمة على العلم والاجتهاد والإبداع، بدل تكريس ثقافة الشهرة السريعة والربح السهل.
غير أن تشخيص الأزمة، مهما كان دقيقًا، لم يعد كافيًا، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى حلول عملية وقابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، يمكن التفكير في تطوير الخدمة العسكرية الإلزامية لتتحول إلى مدرسة وطنية للتكوين، لا تقتصر على الانضباط العسكري، بل تمنح الشباب تكوينًا في اللغات، والمهارات الرقمية، والبرمجة، والكهرباء، والسباكة، والميكانيك، وصيانة المعدات، وسياقة الآليات الثقيلة، وغيرها من المهن المطلوبة، مع تمكينهم من شهادات مهنية معترف بها تسهل اندماجهم في سوق الشغل.
كما أصبح من الضروري إعادة الاعتبار لدور الشباب، التي كانت لعقود فضاءات للتربية والثقافة والفنون والرياضة، عبر تحديثها وتجهيزها بفضاءات للبرمجة، والروبوتيك، واللغات، وريادة الأعمال، والأنشطة الرياضية والثقافية، حتى تستعيد دورها في تأطير الأجيال الجديدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك إدماج الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية، لأن الصحة النفسية أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح المنظومة التربوية. ومن غير المقبول أن تضم مؤسسات تعليمية مئات أو آلاف التلاميذ دون وجود أخصائيين نفسيين يواكبونهم ويساعدونهم على تجاوز الصعوبات قبل أن تتحول إلى انقطاع عن الدراسة أو إدمان أو عنف أو يأس.
كما ينبغي جعل التكوين المستمر أولوية وطنية، بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، وربط برامج التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني والمهن المستقبلية.
ومن الضروري أيضًا إعادة الاعتبار للرياضة والتربية البدنية، باعتبارهما وسيلة لترسيخ قيم الانضباط واحترام القانون والعمل الجماعي والثقة بالنفس، فضلًا عن دورهما الوقائي في الحد من الانحراف والعنف والإدمان.
وفي السياق نفسه، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الجهود لمواجهة انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، من خلال الجمع بين المقاربة الأمنية، والوقاية، والتوعية، والعلاج، وإعادة الإدماج، بما يساهم في حماية الشباب وصيانة مستقبلهم.
وفي الختام، لا يجوز تعميم الصورة، فالمغرب يزخر بآلاف الشباب الذين يدرسون ويبدعون ويبتكرون ويؤسسون المقاولات ويرفعون راية الوطن في مختلف المجالات داخل المغرب وخارجه. لكن، في المقابل، لا ينبغي تجاهل المؤشرات المقلقة أو تفسيرها بعامل واحد فقط.
إن مشاهد محاولة اقتحام الحدود ليست مجرد قضية هجرة غير نظامية، بل هي، في نظر كثيرين، رسالة اجتماعية وتربوية ونفسية واقتصادية تستحق قراءة عميقة ومسؤولة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو التفسيرات المبسطة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مسؤول، وكل أسرة، وكل مدرسة، وكل شاب على نفسه: هل نريد جيلاً يبحث عن أقصر طريق إلى الضفة الأخرى، أم جيلاً يبني مستقبله، خطوة بعد خطوة، على أرض وطنه؟
31/07/2026