مرة أخرى، تعود سبتة ومليلية المحتلتان إلى واجهة الحسابات الأمنية الإسبانية، لكن هذه المرة يبدو أن مدريد تريد أن تتعامل مع الحدود وكأنها على موعد دائم مع “يوم القيامة”. فقد طالبت جمعية مهنية تابعة للحرس المدني الإسباني بإنشاء وحدة أمنية متخصصة وثابتة، مهمتها الاستجابة لأي “ضغط استثنائي” قد تشهده الحدود، في خطوة تكشف حجم الحساسية التي باتت مدريد تتعامل بها مع حدود المدينتين المحتلتين وباقي التراب المغربي.
المقترح الذي تقدمت به جمعية JUCIL إلى البرلمان الإسباني لا يكتفي بإرسال تعزيزات عندما تندلع أزمة، بل يقترح إنشاء هيكل أمني دائم تحت اسم “تجمع أمن الحدود البرية للحرس المدني”، مع سلسلة قيادة محددة مسبقاً، ووحدات ووسائل جاهزة للتدخل في سبتة ومليلية المحتلتين. أي أن المطلوب، ببساطة، أن تكون حالة الطوارئ جاهزة قبل أن تقع الطوارئ نفسها.
وبحسب معطيات المقترح، تريد JUCIL التخلص مما تعتبره ارتجالاً في تدبير الأزمات الحدودية، عبر إنشاء قوة تكون في حالة استعداد دائم وقادرة على الانتشار السريع، دون انتظار تشكيل أجهزة استثنائية مع كل تطور جديد. وكأن القاعدة الجديدة هي: لا تنتظروا الأزمة، جهزوا لها مقر القيادة والموظفين والسيارات والطائرات المسيّرة منذ الآن.
واللافت أن الأمر لا يتعلق بوحدة حدودية عادية، بل بمنظومة تجمع تحت قيادة واحدة عناصر الأمن العام، ومجموعات الاحتياط والأمن، ووحدة العمل القروي، والمجموعات الخاصة للأنشطة تحت الماء، والمصلحة البحرية، والشرطة القضائية، ووحدات الضرائب والحدود، فضلاً عن الطائرات المسيّرة. وباختصار، يبدو أن الحدود تحتاج، في التصور المقترح، إلى شيء يشبه “حكومة أمنية مصغرة” أكثر من حاجتها إلى دورية حدودية.
وبعبارة أوضح، تريد JUCIL بناء منظومة أمنية متعددة الأذرع حول سبتة ومليلية المحتلتين، تمتد من البر إلى البحر، ومن المراقبة الجوية إلى التحقيقات الأمنية والقضائية، بما يجعل الحدود في حالة استعداد دائم بدل انتظار لحظة الأزمة. فالحدود، وفق هذا المنطق، لا يكفي أن تكون محروسة؛ بل ينبغي أن تكون مستنفرة حتى وهي نائمة.
وتدفع JUCIL أيضاً نحو اعتماد “خطة دائمة للاستعداد وتعزيز الحدود في سبتة ومليلية”، تتضمن مستويات مختلفة للتفعيل، وتحدد مسبقاً القوات التي يمكن تعبئتها، والقيادة التي ستتولى العمليات، والوسائل التي ستكون جاهزة في كل لحظة. أي أن مدريد تريد أن يكون لكل سيناريو زر تشغيل خاص به، وكأن الأمر يتعلق بغرفة عمليات تنتظر فقط معرفة أي إنذار ستضغط عليه أولاً.
حتى الجوانب اللوجستية للعناصر الأمنية حاضرة في الخطة المقترحة، من السكن والتعويضات إلى التناوب والرعاية الصحية، في محاولة لتحويل الانتشار الأمني في المدينتين إلى مهمة مؤسساتية مستقرة، بدل الاعتماد على حلول مؤقتة كلما ارتفع منسوب التوتر على الحدود. فرجل الأمن، وفق المقترح، يبدو أنه يحتاج أيضاً إلى أن يعرف مسبقاً أين سينام ومتى سيستريح قبل أن تبدأ “الأزمة الاستثنائية” التي لم تقع بعد.
وتأتي هذه الدعوة في سياق تصاعد الحساسية الأمنية الإسبانية تجاه سبتة ومليلية المحتلتين، بعدما أظهرت التطورات الأخيرة، وفق الجمعية نفسها، وجود ثغرات في طريقة التعامل مع الأوضاع الاستثنائية. ومن هنا يبدو أن الوصفة الإسبانية الجديدة بسيطة: إذا كانت الأزمة مؤقتة، فليكن الحل دائماً.
وتريد JUCIL تحويل تلك التجارب إلى “قدرات دائمة”، بحيث لا تضطر السلطات الإسبانية في كل مرة إلى إعادة تركيب جهاز أمني من الصفر، بل تكتفي بتفعيل منظومة معدة مسبقاً وقادرة على التحرك في وقت قصير. بمعنى آخر، لم يعد المطلوب انتظار صافرة الإنذار، بل تجهيز الصافرة والحارس وغرفة العمليات وحتى خطة الطوارئ قبل أن يعرف أحد ما إذا كانت هناك طوارئ أصلاً.
ولم تتوقف مطالب الجمعية عند المدينتين، إذ قدمت إلى البرلمان الإسباني حزمة من عشرة إجراءات، تشمل تعزيز تبادل المعلومات التي تتوفر عليها قيادة الحرس المدني، وتشديد آليات مكافحة الجريمة المنظمة، وإنشاء هيكل دائم لمواجهة الشبكات الإجرامية في جنوب إسبانيا، إلى جانب تعزيز التحقيقات الاقتصادية والمالية وتتبع الممتلكات.
كما تطالب الجمعية بتوفير حماية عملياتية وقانونية أكبر لعناصر الحرس المدني المكلفين بالتدخل في مثل هذه العمليات، وتدعو إلى بناء قدرات أكثر استقراراً لمواجهة شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في جنوب إسبانيا ومحيط مضيق جبل طارق. وهنا يتسع المشهد من حدود سبتة ومليلية المحتلتين إلى الجنوب الإسباني بأكمله، وكأن مدريد تريد بناء حزام أمني طويل لا ينتهي عند نقطة حدودية.
ومن بين أبرز المطالب أيضاً استعادة قدرات “OCON Sur”، وهو الهيكل الذي سبق تخصيصه لمكافحة تهريب المخدرات والتنظيمات الإجرامية في منطقة جبل طارق ومناطق أخرى من جنوب إسبانيا. وهكذا تتجمع في المقترح الحدود والجريمة المنظمة والمخدرات والبحر والطائرات المسيّرة تحت مظلة أمنية واحدة.
والرسالة التي يمكن قراءتها من هذا التحرك واضحة: مدريد لا تريد انتظار الأزمة القادمة على حدود سبتة ومليلية المحتلتين حتى تبدأ في البحث عن القوات والوسائل والقيادات، بل تريد أن تكون كل عناصر الاستنفار جاهزة مسبقاً. فالاحتياط هنا لم يعد احتياطاً بالمعنى التقليدي، بل يكاد يتحول إلى وضع دائم، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه إسبانيا عن تعزيز منظومتها الأمنية في مدينتين تقعان جغرافياً في شمال المغرب، يكشف المقترح الإسباني مرة أخرى أن ملف سبتة ومليلية المحتلتين لم يعد مجرد قضية تدبير حدودي بالنسبة إلى مدريد، بل تحول إلى ورقة أمنية دائمة الحضور في حساباتها الاستراتيجية.
وهكذا، كلما حاولت مدريد أن تمنح احتلال سبتة ومليلية المحتلتين مظهراً أكثر “أماناً”، كشفت، من حيث لا تريد، حجم القلق الذي يسكن حساباتها تجاه المغرب. فالحرس المدني حاضر، والطائرات المسيّرة جاهزة، والدوريات البحرية في حالة استنفار، ووحدات التدخل تنتظر الإشارة، وكأن المغرب يقف على الأبواب حاملاً موعداً محدداً للأزمة!
لكن المفارقة أن كل هذا الاستعراض الأمني لا يغيّر الحقيقة الجغرافية والسياسية للمدينتين: فهما نقطتان إسبانيتان محاصرتان جغرافياً داخل المجال المغربي، مهما ارتفع عدد الدوريات وتكاثرت الحواجز.
ويبدو أن مدريد، بدل أن تسأل كيف يمكنها إدارة هذا الواقع بعقلانية، اختارت أن تزيد عدد الدوريات والطائرات المسيّرة، لعلها تقنع نفسها بأن الأسلاك والأسوار تستطيع أن تمنح الاحتلال شعوراً بالأمان.
أما المغرب، فلا يحتاج إلى كل هذا الضجيج كي يذكّر بأن الجغرافيا لا تخضع للأوامر الأمنية، وأن كثرة الحواجز لا تستطيع أن تغيّر موقع مدينة على الخريطة، ولا أن تمنح واقعاً مؤقتاً صفة الديمومة.
30/09/2026