kawalisrif@hotmail.com

الناظور :       أسباب اقتحام مليلية يفجّر الغضب … بيان نقابي يفتح النار على واقع الشباب ويضع الحكومة أمام مرآة الحقيقة

الناظور : أسباب اقتحام مليلية يفجّر الغضب … بيان نقابي يفتح النار على واقع الشباب ويضع الحكومة أمام مرآة الحقيقة

في خضم التوتر الذي عاشته الحدود بين بني أنصار ومليلية خلال اليومين الأخيرين، وما رافقه من مشاهد صادمة لشباب مغاربة يغامرون بمستقبلهم وحياتهم بحثاً عن منفذ نحو الضفة الأخرى، خرج مكتب شبيبة الاتحاد المغربي للشغل بالناظور ببيان حول ما وصفه بـ«المأساة الإنسانية للهجرة غير النظامية للشباب المغربي»، معلناً تضامنه مع الضحايا والمفقودين، وداعياً إلى فتح تحقيق شفاف وترتيب المسؤوليات. بيان لم يأتِ في لحظة عادية، بل في ظرف باتت فيه الحدود تعكس أزمة أعمق بكثير من مجرد محاولة عبور، أزمة مجتمع يجد جزء من شبابه نفسه محاصراً بين واقع لا يمنحه ما يكفي من الأمل، وضفة أخرى تبدو في مخيلته وكأنها بوابة للخلاص.

البيان لم يكتفِ بالتضامن مع الضحايا، بل وضع البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وغلاء المعيشة وضعف فرص الشغل ضمن الأسباب التي تغذي ظاهرة الهجرة غير النظامية. وهي أسباب لم تعد تحتاج إلى كثير من التشخيص أو التقارير، لأن الشاب في الناظور لا يقرأ عنها في الإحصائيات فقط، بل يلمسها في حياته اليومية. لكن السؤال الأكثر إزعاجاً هو: ماذا بعد التشخيص؟ وهل ما زال ممكناً إقناع شاب يرى مستقبله مسدوداً بأن ينتظر خطاباً جديداً عن التنمية، بينما هو يبحث عن فرصة لا يجدها، وعن مؤسسة تنصت إليه، وعن أفق يشعر بأنه موجود فعلاً وليس مجرد وعد مؤجل؟

لقد سئم شباب الناظور من لغة الأرقام والشعارات والبرامج الحكومية التي تنتهي غالباً عند حدود الإعلان والتقديم والتصوير، بينما تظل النتائج بعيدة عن مستوى الانتظارات. فالشاب الذي يحمل شهادة ويقضي سنوات في البحث عن عمل، أو الذي يحاول إنشاء مشروع صغير فيصطدم بالتعقيدات والبيروقراطية، لا يحتاج إلى من يشرح له معنى الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بل يحتاج إلى دولة ومؤسسات تفتح أمامه الأبواب بدل أن تكتفي بتعدادها في الخطب والتقارير. وحين تصبح أبسط فرصة للعمل حلماً، فمن الطبيعي أن يبدأ السؤال عن جدوى البقاء في ذهن من يشعر بأن وطنه لا يمنحه مكاناً لائقاً.

الناظور ليست منطقة تفتقر إلى التشخيص، بل ربما أصبحت تعاني من فائض في التشخيص ونقص في النتائج. منذ سنوات، والبطالة والهجرة والتهميش والفوارق المجالية تتصدر النقاشات، فيما أُعلنت مشاريع وبرامج واستراتيجيات تنموية كبرى، وتوالت الوعود بتحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي وسياحي ولوجستي. ومع ذلك، لا تزال قطاعات واسعة من الشباب تبحث عن موطئ قدم في سوق الشغل وعن فرصة حقيقية لبناء المستقبل. وبين ما يقال في قاعات الاجتماعات وما يعيشه المواطن في الشارع، تتسع فجوة خطيرة اسمها «فقدان الثقة».

وإذا كان البيان النقابي قد دعا إلى تحديد المسؤوليات، فإن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى كرة تُرمى بين المؤسسات. فالحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية، لكن المسؤولية تمتد أيضاً إلى المنتخبين، والإدارات، والأحزاب، والنخب المحلية، والفاعلين الاقتصاديين، وكل من يملك سلطة القرار أو التأثير في السياسات العمومية. والسؤال هنا ليس من سيصدر البيان الأقوى، بل من سيقدم الحساب الأوضح: ماذا تحقق فعلياً للشباب؟ كم فرصة شغل دائمة خُلقت؟ كم مشروعاً صغيراً تم إنقاذه من التعقيدات؟ وكم شاباً استطاع أن يبني مستقبله في الناظور بدل أن يبحث عنه خلف السياج؟

المفارقة الأكثر قسوة هي أن الجميع تقريباً أصبح يعرف أسباب الهجرة، والجميع يتحدث عن البطالة والتهميش والفوارق الاجتماعية وغياب الأفق، لكن ما يزال السؤال الأساسي معلقاً في الهواء: لماذا تستمر الأسباب نفسها رغم كل هذه البرامج والخطط والوعود؟ كم من مبادرة تحولت فعلاً إلى وظائف؟ كم من مشروع تنموي وصل أثره إلى الأحياء والقرى والشباب؟ وكم من شاب وجد مؤسسة تقف إلى جانبه عندما قرر أن يبدأ مشروعاً أو يبحث عن عمل؟ لأن المواطن لا يقيس التنمية بعدد المشاريع التي تُعلن، وإنما بعدد الأبواب التي تُفتح أمامه.

إن مواجهة الهجرة غير النظامية بمنطق أمني صرف قد تنجح في إغلاق طريق أو تشديد سياج، لكنها لن تغلق باب اليأس. يمكن للحواجز أن تمنع العبور، ويمكن للمراقبة أن تشدد الحدود، لكن لا يمكن لأي جهاز أمني أن يصنع الأمل داخل شاب فقد الثقة في قدرته على بناء مستقبله. ولهذا فإن اختزال الظاهرة في الجانب الأمني يعني التعامل مع النتيجة وترك الأسباب تتكاثر في الخلفية. وما دام الواقع الاقتصادي والاجتماعي ينتج الإحباط نفسه، فإن محاولات الهجرة ستعود عاجلاً أم آجلاً، وربما بأشكال أكثر خطورة.

والأخطر من الهجرة نفسها هو أن تتحول إلى ثقافة راسخة لدى فئة من الشباب، يصبح معها الرحيل هو الخطة الأولى، والبقاء هو الخطة البديلة. حين يبدأ الشاب في التفكير بأن مستقبله لا يمكن أن يتحقق إلا بعيداً عن مدينته ووطنه، فهنا ينبغي على المسؤولين أن يتوقفوا طويلاً أمام السؤال الحقيقي: أين أخطأنا؟ لأن القضية لم تعد مرتبطة بشاب واحد أو بمجموعة حاولت الوصول إلى الضفة الأخرى، وإنما بمؤشر اجتماعي خطير يكشف مقدار الهوة بين تطلعات جيل كامل وبين ما يقدمه له الواقع.

ومن هنا، يمكن لبيان شبيبة الاتحاد المغربي للشغل بالناظور أن يكون أكثر من مجرد موقف نقابي ظرفي، إذا تحول إلى بداية لنقاش عمومي جدي حول مستقبل الشباب بالمنطقة. أما إذا انتهى كما انتهت بيانات كثيرة قبله، إلى تضامن واستنكار ومطالب تُنسى بعد انحسار الأزمة، فإن المشكلة ستظل قائمة، وستعود الحدود إلى واجهة الأحداث في أول موجة غضب أو يأس جديدة. المطلوب اليوم ليس فقط أن نسأل لماذا يحاول الشباب العبور، بل أن نسأل أيضاً ماذا فعلنا حتى لا يصبح العبور خيارهم الوحيد.

فالشباب لا يريد خطابات جديدة عن الكرامة بقدر ما يريد أن يعيشها، ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود بالمستقبل بقدر ما يحتاج إلى فرصة حقيقية لصناعته. يريد مدرسة تمنحه الأمل، وتكويناً يفتح أمامه سوق الشغل، وإدارة تساعده بدل أن تثقل خطواته، ومؤسسات منتخبة تسمع صوته خارج مواسم الانتخابات، واقتصاداً محلياً قادراً على خلق فرص حقيقية. أما أن نطلب منه أن يصبر بينما يرى سنوات عمره تمر أمامه بلا أفق، ثم نلومه عندما يبحث عن فرصة في مكان آخر، فذلك يعني أننا نطلب منه دفع ثمن أزمة لم يصنعها وحده.

فمأساة الهجرة ليست مسؤولية جهة واحدة، كما أن علاجها لن يكون بقرار واحد أو ببيان واحد. إنها نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن الأعذار. فحين يصبح البحر، أو السياج، أو الضفة الأخرى في نظر شاب يائس أقرب إلى تحقيق حلمه من مدينته ووطنه، فهذه ليست فقط مشكلة شاب يريد الرحيل، بل مرآة قاسية لواقع ينبغي أن يراجع نفسه.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً، بلا تجميل ولا لغة خشبية ولا بيانات موسمية، هو: إذا كان الجميع يعترف بأن الشباب يعاني البطالة والتهميش وغياب الأفق، وإذا كان الجميع يعرف أن هذه العوامل تغذي الهجرة، فمن المسؤول عن استمرار الظروف نفسها التي تدفعه إلى البحث عن مستقبله خلف السياج؟ والأهم من ذلك: كم من الوقت سيحتاج المسؤولون حتى يدركوا أن حماية الحدود تبدأ أيضاً بحماية الأمل داخل المجتمع؟

01/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts