في أول موقف سياسي واضح بشأن الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة مليلية المحتلة، خرجت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ببيان شديد اللهجة، اعتبرت فيه أن ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حادث عابر، بل يستوجب الوقوف عند خلفياته وتداعياته ومسؤوليات مختلف الأطراف المتدخلة في تدبيره.
البيان، الصادر عقب اجتماع استثنائي للأمانة العامة للحزب، عبّر عن رفض الحزب لما وصفه بـ”الاستسلام للروايات والتأويلات المتسارعة”، داعياً إلى التعامل مع الأحداث بكثير من المسؤولية والجدية، خصوصاً في ظل ما خلفته من نقاش واسع داخل المجتمع المغربي، ومن صور ومشاهد أثارت الكثير من التساؤلات حول أسبابها وحقيقة ما جرى على الأرض.
وأكد الحزب أن حماية استقرار المغرب والحفاظ على منجزاته لا تعني بأي حال من الأحوال إغلاق باب النقاش أو تجاهل الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة، مشدداً على ضرورة احترام المسؤولية السياسية والمؤسساتية، وضمان الحق في معرفة الحقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحداث ذات أبعاد إنسانية وأمنية وسياسية بالغة الحساسية.
وفي موقف لافت، دعا حزب العدالة والتنمية إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في الأحداث، وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية اللازمة، مع نشر نتائج التحقيق للرأي العام بكل شفافية، معتبراً أن معالجة الاحتقان الاجتماعي لا يمكن أن تتم من خلال الصمت أو الاكتفاء بالتبريرات، وإنما عبر تقديم أجوبة واضحة للرأي العام.
كما عبّر الحزب عن رفضه لما اعتبره توظيفاً سياسياً أو إعلامياً للأحداث، محذراً في الوقت نفسه من تحويل قضية الهجرة إلى ورقة للمزايدات، سواء من الداخل أو الخارج، ومؤكداً دعمه للمؤسسة الملكية وللمسار الذي يعزز الاستقرار والوحدة الوطنية ويحمي حقوق المواطنين وحرياتهم.
لكن البيان لم يكتفِ بالجانب الأمني والسياسي، بل وضع قضية الهجرة في سياق أوسع، معتبراً أن الأحداث الأخيرة كشفت من جديد حجم الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي يعاني منها جزء من الشباب المغربي، وأن معالجة الظاهرة لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت ضرورتها.
وفي هذا السياق، وجّه الحزب رسالة إلى مختلف مؤسسات الدولة، داعياً إلى استحضار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للهجرة، والعمل على توفير فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز العدالة المجالية، حتى لا يجد الشباب أنفسهم أمام خيار محفوف بالمخاطر بحثاً عن مستقبل أفضل خارج البلاد.
ويأتي هذا الموقف في وقت أعادت فيه الأحداث الأخيرة ملف الهجرة إلى واجهة النقاش السياسي والمجتمعي، خصوصاً بمنطقة الناظور التي ظلت لسنوات إحدى أبرز نقاط الضغط المرتبطة بمحاولات الوصول إلى مليلية المحتلة. وبين المقاربة الأمنية والبعد الإنساني والاجتماعي، يبدو أن الملف يتجه نحو نقاش أكثر حدة حول مسؤولية الدولة، ودور المؤسسات، وحدود المعالجة الأمنية في مواجهة ظاهرة لها جذور اقتصادية واجتماعية عميقة.
وبينما شدد حزب العدالة والتنمية على ضرورة الحفاظ على الاستقرار ووحدة البلاد، فإنه في المقابل طالب بعدم التعامل مع الأحداث بمنطق الصمت أو التبرير، داعياً إلى تحقيق شفاف يكشف حقيقة ما وقع ويحدد المسؤوليات. وهي رسالة سياسية تحمل في طياتها دعوة واضحة إلى الانتقال من مرحلة احتواء الأزمة إلى مرحلة فتح الملفات، والاستماع إلى الأسئلة الصعبة، ومواجهة الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بمستقبلهم بحثاً عن نافذة أمل.
01/08/2026