بعد ثلاثة أيام من واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، خرجت الرباط بروايتها الرسمية، لتفتح الباب أمام تباين واضح مع المعطيات التي أعلنتها مدريد، سواء فيما يتعلق بعدد المهاجرين الذين عبروا نحو المدينة أو بحصيلة الضحايا، في مشهد يعكس اختلافاً عميقاً في قراءة واحدة من أكثر الأزمات الحدودية حساسية بين الجانبين.
ففي الوقت الذي رسمت فيه السلطات الإسبانية صورة لأزمة غير مسبوقة، تحدثت فيها عن تدفق يقارب 60 ألف مهاجر وسقوط 72 قتيلاً، جاءت الرواية المغربية بأرقام مغايرة، مؤكدة أن عدد المتوجهين نحو سبتة لم يتجاوز 40 ألف شخص، فيما بلغت الحصيلة المؤكدة للوفيات 11 حالة فقط إلى حدود الساعة، مع استمرار عمليات التحقق من أي معطيات أخرى عبر قنوات التعاون الرسمية مع الجانب الإسباني.
هذا الفارق الكبير في الأرقام لم يكن مجرد اختلاف إحصائي، بل كشف عن تباين واضح في مقاربة البلدين للأزمة؛ فالرباط شددت على أن معطياتها تستند إلى منظومات رسمية للمراقبة والتتبع الميداني، بينما واصلت مدريد الحديث عن أكبر عملية عبور جماعي عرفتها المدينة، مع الإبقاء على أرقام مرتفعة بشأن عدد الوافدين والضحايا.
وفي تفسير أسباب ما وقع، قدمت السلطات المغربية قراءة مختلفة للأحداث، معتبرة أن موجة العبور لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها الاستغلال المضلل للفضاء الرقمي، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، وسوء فهم بعض القرارات القضائية الإسبانية المتعلقة بإجراءات إعادة المهاجرين، وهو ما دفع آلاف الأشخاص إلى الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى سبتة عبر السباحة.
كما أكدت الرباط أن قصر المسافة الفاصلة بين الساحل المغربي وسبتة، إلى جانب محدودية عمق المياه في بعض المناطق، خلق انطباعاً خاطئاً بسهولة العبور، الأمر الذي انتهى بمآسٍ إنسانية وخسائر في الأرواح.
وعلى الجانب الآخر، ركزت السلطات الإسبانية على عودة الهدوء إلى سبتة بعد انتشار مكثف للقوات الأمنية، مؤكدة أن معظم المهاجرين عادوا إلى المغرب خلال الساعات الأولى التي أعقبت الأزمة، سواء بشكل طوعي أو في إطار إجراءات الإعادة.
ويعيد هذا التباين في الأرقام والروايات إلى الواجهة طبيعة العلاقة المعقدة بين الرباط ومدريد في ملفات الهجرة، إذ بينما تدعو المملكة المغربية إلى معالجة الظاهرة وفق مقاربة تقوم على المسؤولية المشتركة والتعاون الدولي ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، تواجه إسبانيا انتقادات أوروبية ودولية بشأن سياساتها في تدبير الهجرة غير النظامية.
وبين رواية مغربية تستند إلى معطيات ميدانية وتؤكد استمرار التنسيق للتحقق من مصير الضحايا، ورواية إسبانية تتحدث عن أرقام أكبر وخسائر بشرية غير مسبوقة، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة نتائج التحقيقات والتعاون بين البلدين، فيما تظل هذه الأزمة واحدة من أخطر محطات الهجرة التي عرفتها الحدود المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
02/08/2026