kawalisrif@hotmail.com

المغرب يرد بقوة على انتقادات إسبانيا وأوروبا :     “لم نخضع يوما للضغط والهجرة مسؤولية مشتركة”

المغرب يرد بقوة على انتقادات إسبانيا وأوروبا : “لم نخضع يوما للضغط والهجرة مسؤولية مشتركة”

كشف المغرب رسميا أن إسبانيا كانت قد تلقت، قبل أيام من اندلاع أزمة الهجرة الأخيرة على الحدود الوهمية لسبتة ومليلية المحتلتين، تحذيرات واضحة بشأن تداعيات قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي قضى بعدم قانونية عمليات الإعادة الفورية للمهاجرين. وبحسب مصدر بوزارة الخارجية المغربية تحدث لوكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، فإن القرار أضعف أحد العناصر الأساسية التي يقوم عليها التعاون المغربي الإسباني في مجال تدبير الهجرة، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا الملف «مسؤولية مشتركة» وليس مسؤولية مغربية منفردة.

الرباط، التي اختارت هذه المرة رفع سقف خطابها بوضوح، تؤكد أنها تتحمل مسؤولياتها دون تردد، لكن ذلك لا يعني قبولها بأن تتحول إلى طرف يُطلب منه تنفيذ كل شيء ثم يُحمّل مسؤولية كل إخفاق. وقال المصدر المغربي إن المملكة لا تتحرك تحت الضغط أو الابتزاز أو المقايضة، مضيفاً أن من يعتقد أن المغرب سيتراجع أمام هذه الأساليب «لا يعرف مغرب محمد السادس». وهي رسالة تحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن زمن التعامل مع الرباط بمنطق الإملاءات قد انتهى، وأن الشراكة لا يمكن أن تكون طريقاً في اتجاه واحد.

وأوضح المغرب أن سياسته في مجال الهجرة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الوقاية الأمنية والردع. غير أن قرار المحكمة العليا الإسبانية، وفق المصدر المغربي، أضعف الركيزة الثانية بعدما جعل عمليات الإعادة أكثر تعقيداً، وهو ما انعكس على أرض الواقع في ظل وجود شبكات منظمة للاتجار بالبشر تراقب باستمرار أي تغير في القواعد القانونية وتستثمره لتغذية موجات الهجرة غير النظامية، بينما تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في نشر الرسائل المحفزة على المغامرة بالوصول إلى الضفة الأخرى.

وبلغة لا تخلو من الصراحة، قال المصدر إن ما حدث في الثامن من يوليوز يمثل «تغييراً في النموذج»، بعدما تم، حسب تعبيره، تعطيل عنصر الردع بقرار قضائي إسباني. وهذه النقطة بالذات تضع الخطاب الإسباني أمام اختبار حقيقي: هل يمكن مطالبة المغرب بإيقاف تدفقات بشرية ضخمة، في الوقت الذي يتم فيه إضعاف الأدوات التي تسمح بإدارة هذه التدفقات في إطار تعاون ثنائي؟ أم أن المطلوب ببساطة هو أن تتحمل الرباط النتائج، بينما يحتفظ الآخرون بحق اتخاذ القرارات؟

المفارقة أن المغرب لا يتحدث عن الأمن باعتباره حلاً سحرياً، بل يحذر من محدوديته. فالمصدر المغربي تساءل: إذا كان عدد الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى سبتة قد بلغ عشرات الآلاف، فكم من عناصر الأمن ينبغي تعبئتهم؟ وأبرز أن المغرب يخصص نحو 20 ألف عنصر لمراقبة سواحله، قبل أن يطرح سؤالاً أكثر إحراجاً: «هل هناك من يحمي حدودنا الجنوبية أو الشرقية بدلاً منا؟». سؤال يختصر جوهر الإشكال، لأن أمن الحدود المغربية لا يمكن أن يتحول إلى مهمة أوروبية بالوكالة، بينما يبقى المغرب مطالباً بتحمل العبء الأكبر.

الأرقام بدورها تكشف حجم المجهود المغربي في هذا المجال، إذ أفاد المصدر بأن تدبير ملف الهجرة يكلف المملكة حوالي 500 مليون يورو سنوياً، في وقت لا تتجاوز فيه المساعدات التي تحصل عليها من الاتحاد الأوروبي 145 مليون يورو. ومع ذلك، شدد على أن القضية لا تختزل في المال، بل تتعلق بـ«الاستراتيجية والرؤية المشتركة». فالمغرب، وفق هذا التصور، لا يتعامل مع حماية حدوده باعتبارها خدمة مدفوعة الثمن، وإنما باعتبارها جزءاً من أمنه الوطني، وفي الوقت نفسه يطالب شركاءه بتحمل نصيبهم من المسؤولية.

وفي خضم الجدل الذي أعقب وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى حدود سبتة، أكد المصدر المغربي أن قوات الأمن لم يكن بإمكانها مواجهة الحشود بشكل مباشر، خشية وقوع أضرار. كما حذر من أن المقاربة الأمنية وحدها «محكوم عليها بالفشل» إذا لم تقترن بالتنمية وبآليات واضحة لإعادة الأشخاص الذين لا يحق لهم الدخول أو البقاء. ومن هنا تأتي الرسالة المغربية الأساسية: لا يمكن بناء سياسة هجرة ناجحة على الحواجز الأمنية وحدها، ولا يمكن مطالبة المغرب بالقيام بدور شرطي دائم دون معالجة الأسباب والنتائج القانونية والسياسية للهجرة.

وفي مقابل الانتقادات التي وجهها بعض السياسيين الإسبان للمغرب، أعرب المصدر عن خيبة أمل الرباط مما وصفه بتصريحات «مخجلة» تستغل الأزمة لأهداف انتخابية. غير أن اللافت هو تأكيده في الوقت نفسه استمرار التنسيق «المثالي» بين الحكومتين والأجهزة الأمنية في البلدين. ووفق المعطيات التي قدمها، أسفر هذا التعاون خلال العامين الماضيين عن إحباط نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية، وهو رقم يقدم، بحسب الرباط، دليلاً عملياً على أن التعاون المغربي الإسباني قادر على تحقيق نتائج ملموسة عندما يقوم على الثقة وتبادل المسؤوليات.

وهكذا يجد الخطاب الإسباني نفسه أمام معادلة يصعب تجاهلها: المغرب يواصل التعاون، ويعبئ آلاف العناصر، ويتحمل كلفة مالية ضخمة، ويحبط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة، لكنه في المقابل يرفض أن يتحول إلى كبش فداء كلما ظهرت أزمة. فالرباط لا تغلق باب الشراكة، لكنها ترفض أن تكون الشراكة مرادفاً لتحميل طرف واحد المسؤولية. والرسالة التي خرجت من وزارة الخارجية المغربية واضحة: من يريد تعاوناً ناجحاً مع المغرب، فعليه أن يتعامل معه كشريك كامل الحقوق، لا كحارس حدود يُستدعى عند الحاجة ثم يُلام عندما تتغير قواعد اللعبة.

03/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts