مرة أخرى، وجدت صحيفة «إل إسبانيول» نفسها أمام المغرب، لكن هذه المرة وهي تحاول فك شيفرة ما تعتبره «معركة صعبة» مع الرباط. الصحيفة الإسبانية نقلت عن عنصر سابق في جهاز الاستخبارات الإسباني تحذيره من أن الأشهر المقبلة ستكون مليئة بالتوتر، زاعمة أن المغرب يسعى إلى استغلال أزمة سبتة المحتلة لفتح مفاوضات حول مياه الصحراء المغربية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وكأن الرباط اكتشفت أمس فقط أن لديها مصالح وطنية ينبغي الدفاع عنها، أو أن التفاوض أصبح حكراً على مدريد وحدها.
التقرير، الذي نشرته «إل إسبانيول»، يقدم تحركات المغرب بلهجة أقرب إلى التحذير الأمني منها إلى التحليل السياسي، ويصور مطالبة الرباط بضمانات قانونية للاستثمارات في أقاليمها الجنوبية وكأنها «ضغط» على أوروبا. والحال أن السؤال البسيط الذي يغيب عن المقال هو: ماذا يفعل أي بلد عندما يريد جذب استثمارات كبرى إلى موارده ومشاريعه الاستراتيجية؟ ببساطة، يبحث عن إطار قانوني واضح وضمانات للمستثمرين. لكن عندما يتعلق الأمر بالمغرب، يبدو أن بعض الأقلام الإسبانية تفضل اكتشاف «مؤامرة» خلف كل عقد استثماري.
والأكثر إثارة أن الصحيفة نفسها تكشف أن شركات بريطانية وأمريكية وإسرائيلية تريد ضمانات قانونية قبل ضخ أموال كبيرة في مشاريع مرتبطة بالصحراء المغربية. وهذا الاعتراف يضعف، أكثر مما يقوي، الرواية التي حاول التقرير تسويقها. فالمشكلة ليست أن الرباط تريد «إجبار» المستثمرين على شيء، بل أن المستثمرين أنفسهم يبحثون عن وضوح قانوني يحمي مصالحهم. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: لماذا يُقدَّم طلب الضمانات القانونية المغربية وكأنه تهديد لإسبانيا؟
أما ربط أزمة جيبي سبتة ومليلية بهذا الملف، فيبدو أقرب إلى محاولة تركيب قطع متفرقة في صورة واحدة. فالمغرب يتعامل مع الهجرة والأمن والاقتصاد والدبلوماسية باعتبارها ملفات متعددة ضمن علاقة استراتيجية مع الجار الإسباني، وليس بالضرورة كأوراق ابتزاز متبادلة. وإذا كانت مدريد ترى أن كل أزمة حدودية يمكن أن تؤثر في الحوار السياسي، فذلك لا يعني تلقائياً أن الرباط هي التي صنعت الأزمة من أجل الوصول إلى طاولة مفاوضات حول المياه الأطلسية.
بل إن اللافت أن التقرير يتحدث عن «الازدهار المشترك» في سبتة ومليلية، وكأن العبارة نفسها أصبحت تثير القلق في بعض الأوساط الإسبانية. وهنا تكمن المفارقة: عندما يتحدث المغرب عن تعاون اقتصادي وتنمية مشتركة، تتحول الفكرة في بعض التحليلات إلى «خطة للضغط»، بينما المطلوب ربما هو التوقف قليلاً أمام واقع جغرافي وسياسي لا يمكن تغييره بالعناوين الصحافية. فسبتة ومليلية المحتلتان تقعان على التراب الوطني المغربي وعلى أبواب المغرب، وأي حديث عن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يتجاهل المغرب ثم يتساءل لاحقاً لماذا تظهر الرباط في كل نقاش.
ويصل التقرير إلى جبل تروبيك، حيث الموارد المعدنية والعناصر الأرضية النادرة والتيلوريوم، ليقدم الصورة وكأن المغرب يمد يده إلى ثروة «ممنوعة» على الآخرين. لكن حتى هنا، فإن الاعتراف بوجود اهتمام استثماري دولي بالمنطقة يكشف أن القضية أكبر من مجرد خلاف ثنائي بين الرباط ومدريد. العالم يتجه نحو سباق جديد على المعادن الاستراتيجية والطاقة والموارد البحرية، والمغرب يدرك أن موقعه الأطلسي وثرواته ومشاريعه في الجنوب تمنحه أوراقاً اقتصادية مهمة.
ومن الطبيعي أن تعمل الرباط على بناء شراكات دولية لاستثمار هذه الإمكانات، خصوصاً في مجالات الطاقة والغاز والطاقات المتجددة. والتعاون مع شركات أجنبية لا يعني، كما يوحي التقرير، أن المغرب يبحث عن «غطاء» لمغامرة سياسية، بل يعني أن الاقتصاد المغربي أصبح أكثر انفتاحاً على الاستثمارات الدولية. وإذا كانت الشركات مستعدة للمجيء وضخ أموالها، فذلك دليل على أن المشاريع المطروحة في الجنوب المغربي أصبحت تُقرأ بمنطق اقتصادي متزايد، وليس فقط من خلال النظارات السياسية الإسبانية التقليدية.
كما أن استحضار المحكمة الأوروبية واتفاق الصيد في سياق التقرير يبرز واحدة من أهم النقاط التي تهم الرباط: المغرب يريد قواعد واضحة لا تتغير كلما تغير المزاج السياسي أو القضائي في أوروبا. وهذا مطلب مشروع لأي دولة وشريك اقتصادي. فالاستثمار لا يعيش على التصريحات، وإنما يحتاج إلى الاستقرار والوضوح والقدرة على التنبؤ. ومن غير المنطقي أن يطلب المستثمر من المغرب بيئة قانونية مستقرة، ثم يُلام المغرب عندما يطالب بدوره بضمانات واضحة في علاقاته مع الشركاء الأوروبيين.
والصحيفة تذهب أبعد عندما تتحدث عن رغبة المغرب في الجمع بين «الصخور وسبتة ومليلية والازدهار المشترك ومياه الصحراء وجبل تروبيك». هنا يبدو المقال وكأنه يحاول رسم خريطة سرية في ذهن القارئ، مع أن الملفات في حقيقتها مرتبطة بموقع المغرب ومصالحه الوطنية وعلاقاته الدولية. ثم إن وصف كل تحرك مغربي بأنه «مناورة» لا يغير شيئاً من المعادلة: الرباط تفاوض، تبحث عن مصالحها، وتستثمر في أقاليمها الجنوبية، وتبني شراكاتها، وهذا بالضبط ما تفعله الدول التي تعرف ماذا تريد.
أما العبارة الأكثر دلالة في المقال فهي تلك المنقولة عن وزير الخارجية ناصر بوريطة بشأن حماية الحدود ورفض فرض الإرادات واعتماد الحوار على قدم المساواة لحل النزاعات البحرية. فاللغة هنا واضحة: لا إملاءات ولا وصاية، وإنما حوار على أساس الندية. وربما تكون هذه هي النقطة التي تزعج بعض الأصوات الإسبانية أكثر من غيرها، لأن المغرب الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره مجرد طرف في معادلة أوروبية، أصبح اليوم يطالب بأن يُعامل كشريك كامل الحقوق والمصالح.
17/08/2026