في سبتة المحتلة، لا يبدو أن الأزمة تقتصر على الهجرة والحدود والاستنفار الأمني، بل امتدت هذه المرة إلى داخل الجهاز الذي يفترض أن يتولى إدارة المشهد الأمني. تقرير نشرته صحيفة إسبانية كشف عن ظروف إقامة صادمة لعناصر الشرطة الوطنية المنتشرين بالمدينة المحتلة، حيث ينام بعضهم على الأرض فوق فرش نوم قديمة ومتسخة، بينما يجد نحو 70 شرطياً أنفسهم أمام مرحاض واحد، في مشهد يضع وزارة الداخلية الإسبانية في مواجهة انتقادات حادة.
المفارقة الأكثر إثارة أن هؤلاء العناصر أُرسلوا إلى سبتة لتعزيز الانتشار الأمني والتعامل مع وضع استثنائي، في وقت تقول فيه نقابتهم إن الوزارة لم توفر لهم حتى الحد الأدنى من شروط الراحة والنظافة. فبعد ساعات من العمل والانتشار الأمني، يعود الشرطي إلى مكان إقامة مكتظ وحار وضعيف التهوية، وبعض مرافقه متقادمة أو متضررة، وكأن الدولة أرسلت رجالها إلى الخط الأمامي ثم تركتهم يواجهون ظروفهم وحدهم.
الكونفدرالية الإسبانية للشرطة (CEP) فجّرت القضية، ووصفت ما يتعرض له عناصرها بـ«المعاملة المهينة والبائسة»، معتبرة أن الوضع لا ينسجم مع أبسط معايير التعامل مع موظفين مكلفين بمهام أمنية شاقة. وتقول النقابة إن سبعة أو ثمانية عناصر يجدون أنفسهم محشورين في مساحات صغيرة، بين الأسرّة والخزائن والحقائب والمعدات، بينما يضطر آخرون إلى النوم مباشرة فوق الأرض بسبب غياب أماكن كافية للإقامة.
لكن أكثر التفاصيل إثارة للجدل تتمثل في الحمامات. ففي أحد الطوابق، وفق ما نقلته الصحيفة عن النقابة، يتعين على نحو 70 شرطياً تقاسم مرحاض واحد، ما يعني طوابير وانتظاراً لقضاء حاجة أساسية، في منشأة يفترض أن تستقبل عناصر جرى إرسالهم من مختلف المناطق لتعزيز جهاز أمني استثنائي. وبينما تتحدث السلطات عن الجاهزية والانضباط، يبدو أن أبسط قواعد الإقامة لم تكن جاهزة بالقدر نفسه.
ولا تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ تشير الشكاوى إلى حمامات تعاني من مشاكل في التشغيل، وماء ساخن ينقطع بشكل متكرر، وتهوية غير كافية، وتكييف لا يواكب حرارة شهر غشت، إضافة إلى نوافذ متضررة أو مكسورة. وفي مدينة تعرف خلال الصيف درجات حرارة ورطوبة مرتفعة، يصبح الاكتظاظ في غرف ضيقة مع ضعف التهوية وصفة مثالية لتحويل ساعات الراحة إلى ساعات أخرى من المعاناة.
أما فرش النوم “الپونج”، فتقدم بدورها صورة لا تقل إحراجاً لوزارة الداخلية الإسبانية. فقد تحدثت النقابة عن فرش قديمة ومتضررة وتحمل بقعاً، وهي ظروف قالت إنها تظهر في الصور المرافقة للتقرير. وتختصر النقابة اعتراضها في مطلب يبدو بسيطاً للغاية: الشرطي الذي ينهي مهمة أمنية استثنائية يجب أن يجد على الأقل مكاناً نظيفاً ينام فيه، لا أن تتحول «الاستراحة» بالنسبة إليه إلى اختبار جديد للقدرة على التحمل.
والأكثر إحراجاً أن الانتقادات لا تتعلق بالإقامة وحدها، بل امتدت أيضاً إلى التغذية المقدمة للعناصر خلال الأيام الأولى من انتشارهم. ووفق ما أوردته الصحيفة، كانت الوجبات تتكون من قارورة ماء صغيرة وقطعتين من الخبز وعلبة معلبات وكمية من المرتديلا، ملفوفة في ورق الألمنيوم، وهي وجبة اعتبرتها النقابة غير متناسبة مع طبيعة المهمة وحجم الجهاز الأمني الذي جرى نشره في المدينة.
وفي الخلفية، تطرح القضية سؤالاً أكبر حول جاهزية البنية التحتية الأمنية في سبتة المحتلة. فالكونفدرالية تشير إلى أن المنشآت الشرطية في الثغر تعاني منذ سنوات من الاستنزاف والاكتظاظ، وأن مقر القيادة العليا للشرطة لا تتجاوز مساحته حوالي 1700 متر مربع، بينما يعود مبنى شرطي آخر في شارع سان خوان دي ديوس إلى سنة 1930، وكان في الأصل ثكنة للشرطة المسلحة.
وبذلك، تكشف أزمة إيواء التعزيزات عن مشكلة أعمق من مجرد فرش متسخة أو مرحاض واحد لعشرات العناصر. فالنقابة ترى أن الشرطة الوطنية في سبتة السليبة تعمل منذ سنوات تحت ضغط دائم، وأن الدولة تعتمد على مهنية وتضحيات رجالها لتعويض ما تعتبره تقصيراً في التخطيط والتجهيز والتدبير. وعندما يصل التعزيز الأمني، يتم اللجوء إلى حلول استعجالية قد تنتهي بتحويل إقامة الشرطي إلى جزء آخر من الأزمة.
الكونفدرالية لم تكتفِ بالاحتجاج الإعلامي، بل تقدمت بشكوى رسمية وطالبت بتفتيش عاجل للمنشآت، وتقييم للمخاطر المهنية، وقياس درجات الحرارة والرطوبة والتهوية، وفحص الحمامات والدوشات، واستبدال الفرش المتضررة، وتحسين التكييف والتهوية. كما طالبت بنقل العناصر فوراً إلى أماكن أخرى إذا كانت المنشآت الحالية عاجزة عن توفير شروط إقامة لائقة.
وهنا يصبح السؤال موجهاً مباشرة إلى وزارة الداخلية الإسبانية: من قرر أن هذه المنشآت صالحة لاستقبال عناصر الشرطة؟ ومن سمح بإيواء العشرات في هذه الظروف؟ وهل أُجري أي تقييم مسبق للمخاطر قبل وصول التعزيزات؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا أدى سوء الإقامة والراحة إلى التأثير على جاهزية عناصر مكلفين بمهام أمنية حساسة؟
وفيما تواصل السلطات الإسبانية بالثغر المحتل تقديم سبتة باعتبارها إحدى أهم نقاط الاستنفار الأمني على حدودها الجنوبية، تأتي هذه الشكاوى لتقدم صورة مختلفة تماماً خلف الجدران. فالعناصر الذين يظهرون في الواجهة وهم يحملون مسؤولية حماية الحدود وحفظ الأمن، يجدون أنفسهم، وفق رواية نقابتهم، أمام ظروف إقامة تكاد تقول إن الدولة تطالبهم بالجاهزية الكاملة، لكنها لا تمنحهم حتى شروط الراحة الأساسية.
أما وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، فقد وجد نفسه مجدداً في مرمى انتقادات النقابة، التي تعتبر أن ما يحدث ليس حادثاً معزولاً وإنما نتيجة تراكم سنوات من سوء التدبير. والأشد قسوة أن النقابة لم تكتفِ بوصف الوضع بالفشل، بل اعتبرت مارلاسكا “أسوأ وزير عرفته الشرطة في عهد الديمقراطية” ، مطالبة عملياً بتحمل المسؤولية السياسية عن ظروف أكثر من 75 ألف شرطي.
وفي سبتة المحتلة، يبدو أن “الجاهزية الأمنية” أصبحت تحمل تعريفاً إسبانياً خاصاً: الشرطي جاهز لما تسميه سلطات الاحتلال حماية الحدود، جاهز لمواجهة المهاجرين، جاهز للسهر والحراسة… لكنه ليس بالضرورة جاهزاً للعثور على سرير نظيف أو مرحاض شاغر أو قطرة ماء ساخن. وربما آن الأوان لوزارة الداخلية الإسبانية أن تضيف إلى قائمة تجهيزات الشرطة «تذكرة انتظار أمام المرحاض» و«فرشاً مقاومة للبقع»، لأن المعركة هذه المرة لا تبدو فقط عند الحدود الوهمية… بل بدأت داخل الثكنة نفسها.
18/08/2026