في عز الصيف، وبينما يختار كثيرون الشواطئ والمنتجعات لقضاء العطلة، تبدأ قافلة أخرى رحلتها من إسبانيا نحو فرنسا، لكن ليس بحثًا عن الاستجمام، وإنما عن العمل والراتب الأفضل. نحو 12 ألف عامل إسباني يشدون الرحال هذه الأيام إلى شمال فرنسا للمشاركة في موسم جني التفاح، في واحدة من أبرز التنقلات الموسمية للعمال بين البلدين.
وتتصدر جهة الأندلس هذه الهجرة الزراعية المؤقتة، إذ يمثل الأندلسيون نحو ثلاثة أرباع مجموع العمال المشاركين، أي قرابة 9500 عامل. وبينما يخوض بعضهم التجربة للمرة الأولى، هناك من يكرر الرحلة منذ عقود، ويقطع مسافة تقارب 1600 كيلومتر كل عام، حتى أصبح موسم التفاح موعدًا ثابتًا في أجندة البحث عن العمل والدخل الأفضل.
ويقول أوريلو كابيثاس، رئيس الحملة، إن العمال سيتوجهون إلى فرنسا لجني التفاح والبقاء هناك لنحو شهرين، موضحًا أن الرحلة ليست جديدة على عدد كبير منهم، إذ اعتاد بعض العمال التوجه إلى فرنسا منذ 20 أو 30 عامًا، فيما تجاوزت تجربته الشخصية في هذا العمل ثلاثة عقود.
المثير في هذه القصة أن موسم التفاح لا يمثل نهاية الرحلة بالنسبة إلى هؤلاء العمال، فمع نهاية شهر غشت تبدأ مرحلة جديدة مع موسم جني العنب في فرنسا. وهكذا يتحول العمل الزراعي الموسمي إلى دورة متنقلة بين المحاصيل والمناطق، ينتقل خلالها العامل من الكرز إلى التفاح ثم إلى العنب، بحثًا عن مواسم أفضل وأجور أكثر إغراءً.
ولا تقتصر القافلة على العمال الزراعيين التقليديين، إذ يشارك فيها أيضًا شباب قادمون من قطاعات أخرى. أحدهم كان يعمل في مجال الفندقة، لكنه قرر خوض تجربة جني التفاح في فرنسا، خصوصًا أن لديه أصدقاء يعملون هناك، معتبرًا أن الأمر يمثل فرصة جديدة وتجربة مختلفة، وأن ظروف العمل تسير بشكل جيد حتى الآن.
وعامل آخر وصل إلى فرنسا بعد انتهاء موسم جني الكرز، بعدما أخبره أحد زملائه بأن العمال ينتقلون عادة، فور انتهاء موسم الكرز، إلى حقول التفاح الفرنسية. وبالنسبة إليه، لم يكن الانتقال سوى استمرار لمسار موسمي يبحث فيه العامل عن فرصة عمل جديدة بمجرد انتهاء موسم سابق.
لكن وراء هذا التنقل الجماعي توجد معادلة مالية واضحة: فرنسا تدفع أكثر. فالعمال يؤكدون أن الرواتب أعلى من تلك المتاحة في إسبانيا، وأن ظروف العمل جيدة، خصوصًا مع وجود عقود مبرمة مسبقًا، ما يمنح هذه الرحلة طابعًا منظمًا ويجعلها أقرب إلى اختيار مهني مدروس منها إلى مغامرة عابرة بحثًا عن العمل.
وتقول إحدى العاملات إن الأمر «مجدٍ ومربح»، خصوصًا إذا كان الموسم جيدًا وسارت الأمور كما هو مخطط لها. ويؤكد أوريلو كابيثاس أن العمال يشتغلون بموجب عقود عمل رسمية، وأن الشركات التي تستقبلهم في فرنسا قوية وتوفر إطارًا مهنيًا واضحًا للعمل الموسمي.
أما الرقم الأكثر إثارة للانتباه فيتعلق بالأجر؛ إذ يتجاوز الأجر الأساسي 12.32 يورو للساعة، بينما سيحصل هؤلاء العمال الموسميون على نحو 2200 يورو إجماليًا قبل الاقتطاعات، ومن دون احتساب الساعات الإضافية، أي ما يقارب ضعف ما يتقاضونه في إسبانيا. ومع احتساب الساعات الإضافية، قد ترتفع المداخيل أكثر، وهو ما يجعل قطع 1600 كيلومتر يبدو بالنسبة إلى كثيرين ثمنًا مقبولًا مقابل فارق الأجر.
وبينما تعكس القصة قدرة سوق العمل الأوروبي على جذب العمال نحو الأماكن التي توفر أجورًا أفضل، فإنها تكشف في الوقت نفسه مفارقة لافتة: آلاف العمال الإسبان، القادمين من الأندلس، إحدى أهم المناطق الزراعية في إسبانيا، يعبرون الحدود ويتجهون شمالًا للعمل في الحقول الفرنسية. المسألة، في النهاية، لا تتعلق بالتفاح وحده، بل بسؤال أكثر عمقًا: أين توجد قيمة العمل؟
فحين يصبح جني التفاح في فرنسا أكثر مردودية من العمل الموسمي في إسبانيا، وحين يقترب الأجر من ضعف ما يحصل عليه العامل في بلده، فإن مسافة 1600 كيلومتر تتحول من عائق إلى مجرد تفصيل صغير في معادلة أكبر عنوانها: العامل يذهب حيث يكون عمله أكثر قيمة.
18/08/2026