تدخل الدائرة الانتخابية بإقليم الحسيمة مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وسط سباق انتخابي مرشح لأن يكون من أكثر السباقات سخونة وتعقيداً بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، في ظل محدودية المقاعد البرلمانية المخصصة للإقليم، والتي لا تتجاوز أربعة مقاعد، مقابل تعدد الأسماء والأحزاب والطموحات السياسية.
وتفرض هذه المعادلة الانتخابية صراعاً مفتوحاً بين أسماء راكمت تجربة سياسية وتنظيمية وميدانية كبيرة، وأخرى تسعى إلى فرض نفسها وتغيير موازين القوى، في وقت تبدو فيه كل الحسابات قابلة للتغيير مع انطلاق الحملة الانتخابية واحتدام المنافسة على الأصوات.
ويبرز محمد الحموتي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن أبرز الأسماء التي تدخل السباق بحظوظ تنافسية قوية، بالنظر إلى تجربته السياسية وحضوره داخل المشهد الحزبي، فضلاً عن رصيده الانتخابي وقدرته على التحرك ميدانياً. ويجعل هذا المعطى الحموتي رقماً صعباً في معادلة المقاعد الأربعة، خصوصاً في سباق ستكون فيه التفاصيل الصغيرة قادرة على صناعة الفارق.
وبالموازاة مع ذلك، يراهن حزب التجمع الوطني للأحرار على كريم البوطاهري من أجل الحفاظ على حضور والده الانتخابي بالإقليم وتعزيز موقع الحزب داخل الخريطة البرلمانية المحلية. ورغم التحديات التي قد تواجه حزب “الحمامة” في عدد من الدوائر بالشمال، فإن البوطاهري يدخل المنافسة مستفيداً من لوبي شراء الذمم والإتجار في الكتلة الناخبة، ما يجعله بدوره من الأسماء الموجودة بقوة في الحسابات الانتخابية.
أما محمد الأعرج، الوزير السابق والأستاذ الجامعي والقيادي المنتمي إلى الحركة الشعبية، فيعود إلى واجهة المنافسة محملاً بتجربة سياسية طويلة ومعرفة بتفاصيل المشهد الانتخابي. وبعد غيابه عن الولاية السابقة، يسعى الأعرج إلى استثمار التحولات التنظيمية والسياسية التي عرفها حزبه على مستوى الجهة، من أجل استعادة موقعه داخل المؤسسة التشريعية، وهو طموح يجعل اسمه حاضراً بشكل أقل في النقاش حول المقاعد الأربعة.
وفي المقابل، يظل عبد الحق أمغار من الأسماء التي يصعب إسقاطها من الحسابات الانتخابية بالحسيمة، بالنظر إلى تجربته السياسية وقدرته على تعبئة الأصوات ومعرفته بتفاصيل الدائرة. غير أن دخوله ضمن دائرة المنافسة الجدية يفرض عليه، وفق معطيات السباق، تكثيف حضوره الميداني خلال المرحلة الأخيرة، باعتبار أن الصراع على المقاعد لن يحسم فقط بالأسماء، وإنما بمدى القدرة على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات يوم الاقتراع.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، يواجه محمد بودرا، مرشح حزب التقدم والاشتراكية، واحداً من أكثر الاختبارات الانتخابية تعقيداً في مساره السياسي. فالرجل يدخل السباق برصيد سياسي ورمزية محلية، لكنه يجد نفسه أمام منافسين مدعومين بآليات تنظيمية وانتخابية قوية، الأمر الذي يفرض عليه خوض حملة انتخابية استثنائية إذا أراد تحويل حضوره السياسي إلى نتيجة انتخابية تضمن له العودة إلى المؤسسة التشريعية.
وتزداد صعوبة مهمة بودرا بالنظر إلى طبيعة المنافسة على المقاعد الأربعة، حيث لا يكفي امتلاك اسم معروف أو رصيد سياسي سابق، بل يتطلب الأمر قدرة كبيرة على التنظيم والتعبئة والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين، خصوصاً في المراحل الأخيرة التي غالباً ما تشهد إعادة ترتيب حقيقية لموازين القوى.
أما محمد الحموداني، مرشح حزب الاستقلال، فيخوض بدوره معركة ذات خصوصية، بالنظر إلى أنه يدخل السباق في سياق يرتبط بشكل مباشر بمسألة خلافة القيادي نور الدين مضيان والحفاظ على المقعد الذي ظل مرتبطاً لسنوات باسم الأخير.
وتضع هذه الوضعية الحموداني أمام اختبار مزدوج: أولاً، إثبات قدرته على الحفاظ على حضور حزب الاستقلال داخل الدائرة، وثانياً، تأكيد أن انتقال الترشيح من شخصية سياسية وازنة إلى اسم جديد لا يعني بالضرورة خسارة الحزب لموقعه الانتخابي.
وتزداد مهمة الحموداني تعقيداً مع تعدد الأسماء القوية ودخول عدد من المرشحين ذوي التجربة إلى حلبة المنافسة، فضلاً عن احتمال تشتت الأصوات، وهو عامل يمكن أن يعيد خلط الأوراق ويجعل امتلاك المقعد النيابي رهيناً بالنتيجة الفعلية للصناديق، وليس بالترتيبات السياسية السابقة.
وفي الوقت نفسه، تبدو حظوظ عدد من الأحزاب، من قبيل الاتحاد الدستوري والعدالة والتنمية، أقل حضوراً في دائرة الأسماء التي تتصدر حالياً توقعات المتابعين للمقاعد الأربعة، وفقاً لموازين القوى الظاهرة في المرحلة الحالية. لكن التجربة الانتخابية المغربية أثبتت في مناسبات عديدة أن الحسابات المسبقة لا تكون دائماً مطابقة لما تفرزه صناديق الاقتراع.
وبذلك، تبدو الحسيمة أمام سباق انتخابي مفتوح على أكثر من سيناريو، حيث تتقاطع الخبرة السياسية مع قوة التنظيم، والحضور المحلي مع القدرة على التعبئة، فيما يبقى عامل تشتت الأصوات أحد المتغيرات التي يمكن أن تقلب المشهد في لحظاته الأخيرة.
والسؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب موعد الاقتراع لا يتعلق فقط بمن سيحجز المقاعد الأربعة، بل أيضاً بمن ستسقطه الحسابات الانتخابية رغم وزنه السياسي واسمه المعروف.
هل ينجح محمد بودرا في قلب المعادلة والعودة بقوة إلى الواجهة؟ وهل يتمكن محمد الحموداني من تجاوز إرث نور الدين مضيان والحفاظ لحزب الاستقلال على حضوره البرلماني؟ وهل يستطيع الحموتي والبوطاهري والأعرج وأمغار تأكيد موقعهم داخل دائرة المنافسة؟
في الحسيمة، تبدو الإجابة مؤجلة إلى صناديق الاقتراع، لكن المؤكد أن المعركة على المقاعد الأربعة ستكون مفتوحة، وأن أسماء وازنة قد تجد نفسها خارج البرلمان، في واحدة من أكثر الاستحقاقات الانتخابية إثارة للانتباه بالإقليم.
21/08/2026