بعد نشر جريدة “كواليس الريف” مقالاً حذّرت فيه من تحويل مناسبة دينية كانت مقررة بجماعة وردانة، بمناسبة المولد النبوي الشريف، إلى منصة انتخابية سابقة لأوانها، دخلت السلطات الإقليمية بالدريوش على الخط ، وبناءً على تعليمات من وزارة الداخلية، ليصدر عامل الإقليم قراراً أوقف بموجبه محاولة لاستغلال مناسبة دينية في تعبئة انتخابية واسعة من طرف المستشار البرلماني محمد مكنيف .
وكانت المعطيات التي سبقت تدخل السلطات تتحدث عن لقاء كان مرتقباً أن يستقطب حوالي أربعة آلاف شخص، في سياق قالت مصادر مقربة من مكنيف إنه يتجاوز مجرد إحياء مناسبة دينية، بالنظر إلى طبيعة الحضور المنتظر والجهات التي كانت تقف وراء التنظيم والهدف السياسي المفترض من وراء هذا التجمع.
وجاء تدخل السلطات قبل أسبوع ليبعث برسالة واضحة: المناسبات الدينية لا يمكن أن تتحول إلى واجهات للحملات الانتخابية السابقة لأوانها، ولا يمكن استغلال الأجواء الدينية لاستمالة المواطنين ، أو لقاءات مناسباتية لتعبئتهم لفائدة مرشح أو جهة سياسية.
غير أن قرار المنع لم يضع حداً للقضية، بل فتح فصلاً جديداً من الأسئلة، بعدما برزت مستجدات تتحدث عن تنظيم لقاء آخر من طرف المستشار البرلماني النافذ وملياردير الغاز محمد مكنيف ( في إطار حملة دعم شقيقه عزيز مكنبف مرشح حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية ) ، وفي مكان مختلف من الإقليم، وتحت غطاء ديني كذلك، وبحضور بشري كبير، الأمر الذي يضع السلطات الإقليمية أمام اختبار حقيقي بشأن مدى توحيد معايير تطبيق القانون.
وبحسب ما تسرب عن محيط محمد مكنيف ، فإن الأخير ، الذي سبق أن ارتبط اسمه بتنظيم المناسبة التي جرى منعها بوردانة، اتجه إلى تنظيم تجمع جديد غداً الأربعاء 26 غشت، أي بعد أيام قليلة من الواقعة الأولى، وذلك بمنزل رئيس جماعة قاسيطة عبد المجيد الدرقاوي.
وتشير المصادر نفسها إلى أن اللقاء سيُقدم باعتباره مناسبة دينية، في صيغة إحياء متأخر لليلة القدر، رغم أن موعد تنظيمه يأتي بعد مرور المناسبة الدينية، وهو ما دفع متابعين إلى التساؤل حول طبيعة اللقاء الحقيقية، في تتحدث فيه ذات المصادر بأنها مناسبة للتعبئة السياسية والانتخابية.
ووفق المعطيات التي توصلت بها “كواليس الريف” ، فإن الحضور المرتقب قد يصل إلى حوالي 3000 شخص، مع دعوة عدد كبير من المنتخبين والفعاليات المحلية وشخصيات لها ارتباط بالاستحقاقات الانتخابية ووسطاء وسماسرة ، الأمر الذي يجعل طبيعة النشاط محل تدقيق وتساؤل مشروع.
وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى أن اسم عزيز مكينف، شقيق محمد مكينف والمرشح للبرلمان باسم حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الدريوش، يُطرح في سياق الحديث عن الغاية السياسية من وراء هذا التجمع.
وتقول مصادر محلية إن اللقاء سيتحول إلى مناسبة للتواصل مع عدد كبير من الأشخاص واستثمار الحضور في التعبئة لفائدة المرشح، وتوزيع أموال على فئة محددة وعلى هامش اللقاء ، وهو ما سيكون موضوعاً يستوجب تدقيق الجهات المختصة وترتيب الآثار القانونية المناسبة،
وهنا تحديداً يبرز السؤال المركزي الذي فرض نفسه بقوة بعد قرار المنع الأول: إذا كانت السلطات الإقليمية قد اعتبرت أن المناسبة الدينية في وردانة يمكن أن تتحول إلى حملة انتخابية مقنّعة، فما الذي يضمن ألا يتحول النشاط الجديد في قاسيطة إلى السيناريو نفسه؟
القضية لا تتعلق فقط بمكان تنظيم النشاط أو اسمه أو الجهة التي تستضيفه، وإنما بمضمونه الفعلي والغاية التي يُنظم من أجلها ، والحضور الكبير جدا … فالعبرة، قانونياً وسياسياً، ليست بالعنوان الذي يُمنح لأي تجمع، وإنما بما يجري داخله والذي سيتحول إلى وسيلة للتأثير على الناخبين خارج الآجال القانونية.
الأكثر إثارة للجدل أن المعطيات المتوفرة لـكواليس الريف تتحدث عن اتصالات وتنسيق من أجل تسهيل تنظيم اللقاء الجديد، وتضع اسم الكاتب العام لعمالة إقليم الدريوش ضمن هذه الاتصالات حسب ما يردده رئيس المجلس الإقليمي للدريوش المحسوب على حزب الأصالة والمعاصرة ، وهو أحد الخدام الأوفياء عند محمد.مكنيف ، فقد جرى التواصل مع قائد الجماعة ورئيس الدائرة، مع حديث عن توجيهات بعدم الاقتراب من مكان اللقاء وترك النشاط يمر دون تدخل ، على أساس أنه عادي داخل منزل خاص .
وهي معطيات خطيرة، لأنها لا تعني فقط وجود نشاط انتخابي بغلاف ديني ، وإنما تثير سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية تعامل الإدارة الترابية مع مثل هذه الأنشطة، وما إذا كانت هناك فعلاً تعليمات تسمح بتنظيم تجمع معين رغم وجود قرار سابق بمنعه في وردانة .
ومن هنا تطرح “كواليس الريف” سؤالاً واضحاً على السلطات الإقليمية: هل القرار الذي اتُخذ في وردانة كان قراراً مبدئياً يهدف إلى حماية المناسبات الدينية من الاستغلال الانتخابي، أم أنه كان مرتبطاً فقط بظروف ذلك النشاط ومكانه ومنظميه؟
فإذا كان المبدأ هو منع توظيف الدين في الانتخابات، فمن الطبيعي أن يمتد المبدأ نفسه إلى كل نشاط مشابه، بصرف النظر عن الأشخاص أو الجماعات أو مواقع النفوذ.
أما إذا كان النشاط الجديد سيُسمح له بالمرور رغم وجود المعطيات نفسها، فإن ذلك سيخلق انطباعاً خطيراً لدى الرأي العام المحلي مفاده أن تطبيق القانون قد يخضع لموازين القوة والعلاقات والنفوذ، وهو أمر من شأنه أن يضر بصورة الإدارة الترابية وبمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين السياسيين.
كما أن السماح بتجمع انتخابي مقنع، من شأنه أن يطرح تساؤلات حول احترام القواعد المنظمة للحملات الانتخابية، خصوصاً أن المرحلة التي تسبق الاستحقاقات تعرف عادة ارتفاعاً في وتيرة التعبئة واستعمال مختلف الوسائل لاستقطاب الناخبين.
ولذلك فإن الأنظار تتجه الآن إلى السلطات بإقليم الدريوش، ليس فقط لمعرفة ما إذا كان اللقاء سيُقام من عدمه، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كانت ستطبق المعيار نفسه الذي طبقته في وردانة.
فالرسالة التي بعث بها قرار المنع الأول كانت واضحة وإيجابية: الدين ليس وسيلة انتخابية، والمساجد والزوايا والمناسبات الدينية ليست ساحات للحملات السابقة لأوانها.
لكن قوة هذه الرسالة ستتوقف على كيفية التعامل مع ما سيأتي بعدها.
فإذا مُنع أي نشاط يثبت أنه يستغل مناسبة دينية لأغراض انتخابية، أياً كان صاحبه أو مكانه، فإن ذلك سيعزز الثقة في حياد الإدارة ووقوفها على المسافة نفسها من جميع المتنافسين.
أما إذا مُنع نشاط في جماعة، ثم سُمح بنشاط مشابه في جماعة أخرى، فإن علامات الاستفهام ستتضاعف، وسيصبح من المشروع مطالبة السلطات بتقديم توضيحات للرأي العام حول المعايير التي تعتمدها في الترخيص والمنع والتدخل.
وبين القرار العاملي الأول واللقاء المرتقب في قاسيطة، أصبحت القضية أكبر من مجرد مناسبة دينية. إنها اختبار لمدى احترام القانون، ولقدرة الإدارة الترابية على ضمان الحياد، ولمنع تحويل المناسبات الدينية والاجتماعية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية.
25/08/2026