يبدو أن مجرد استحضار اسمَي سبتة ومليلية المحتلتين في سياق ديني وتاريخي مغربي كفيل بإثارة حساسية بعض المنابر الإعلامية الإسبانية، حتى عندما يتعلق الأمر بعلماء عاشوا قبل قرون طويلة من تشكل إسبانيا الحديثة. فخلال ترؤس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي العامر بالرباط، جرى استحضار أسماء علماء ارتبطوا بسبتة، من بينهم القاضي عياض وأبو العباس العزفي، بما يعكس الحضور العلمي والحضاري العميق للمدينة داخل تاريخ المغرب والغرب الإسلامي.
وبدل التعامل مع هذا الاستحضار باعتباره تذكيرًا بإرث علمي وتاريخي، اختارت بعض المنابر الإعلامية الإسبانية قراءته بمنظار سياسي، وربطته بما وصفته بـ”التصعيد المغربي” وبسيناريوهات مزعومة بشأن مستقبل سبتة ومليلية. وكأن ذكر عالم سبتي عاش قبل نحو ألف عام يمكن أن يتحول إلى إعلان عسكري.
والحال أن التاريخ لا يحتاج إلى تأويلات سياسية حتى يثبت حضوره. فالقاضي عياض، أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، وُلد في سبتة سنة 476هـ/1083م، في مرحلة كانت فيها المدينة إحدى أبرز حواضر العلم والمعرفة في الغرب الإسلامي. ومنها انطلق مسار علمي جعل اسمه من أبرز الأسماء في الفقه والحديث والتأليف، قبل أن يتوفى بمراكش سنة 544هـ/1149م، تاركًا مؤلفات ما زالت حاضرة، وفي مقدمتها كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”.
أما أبو العباس أحمد بن محمد العزفي، فقد ارتبط بدوره بتاريخ سبتة العلمي والديني والسياسي خلال القرن السابع الهجري، ضمن أسرة العزفي التي كان لها حضور بارز في المدينة. واشتهر أبو العباس وابنه أبو القاسم بدورهما في ترسيخ الاحتفال بالمولد النبوي وتنظيمه في سبتة، وهو إرث ديني وثقافي يؤكد مكانة المدينة داخل المجال الحضاري المغربي الإسلامي.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: كيف يمكن أن يتحول استحضار علماء من سبتة إلى “تهديد” لسكانها؟ وكيف يمكن أن يصبح ذكر القاضي عياض أو العزفيين مقدمة لسيناريوهات عسكرية؟ وهل أصبح استحضار تاريخ عالم وُلد في سبتة قبل قرون يحتاج إلى إذن من مدريد؟
إن سبتة ومليلية لم تدخلا الذاكرة المغربية اليوم بفعل خطاب سياسي عابر، بل ظلتا حاضرتين في التاريخ والجغرافيا والوجدان المغربي. وسبتة تحديدًا كانت عبر قرون طويلة حاضرة علمية وتجارية وثقافية بارزة في الغرب الإسلامي، خرج منها علماء تركوا آثارًا تجاوزت حدود المدينة إلى المغرب والأندلس وسائر العالم الإسلامي.
أما مليلية، فهي بدورها جزء من المجال التاريخي لشمال المغرب، وحضورها في الذاكرة المغربية لا يرتبط فقط بالمرحلة السياسية المعاصرة، وإنما بسياق تاريخي وجغرافي أوسع من الروايات التي تحاول اختزال المدينتين في واقع الاحتلال الحالي.
واللافت أن بعض الخطابات الإعلامية الإسبانية تتعامل مع كل استحضار مغربي لـسبتة ومليلية وكأنه مقدمة لتحرك عسكري، في حين أن النقاش حول المدينتين ظل حاضرًا أصلًا في المجال السياسي والدبلوماسي والإعلامي الإسباني نفسه. فإذا كان استحضار التاريخ استفزازًا، فلماذا تصبح أسماء العلماء والتذكير بتاريخ المدن مدعاة للقلق؟
فالحديث عن القاضي عياض والعزفيين لا يحتاج إلى خرائط عسكرية ولا إلى سيناريوهات الحرب؛ لأن الرجلين ينتميان إلى تاريخ موثق، وإلى مرحلة كانت فيها سبتة مركزًا للعلم والثقافة والتجارة في الغرب الإسلامي. والتاريخ لا يتحول إلى تهديد لمجرد أن أحدًا قرر تذكّر صفحاته.
كما أن اختزال أي حديث مغربي عن سبتة ومليلية المحتلتين في سيناريو “إخضاع السكان” أو “العمل العسكري” يمثل، في نهاية المطاف، انتقالًا من النقاش التاريخي والسياسي إلى بناء رواية تخويف لا علاقة لها بالضرورة بالسياق الذي ورد فيه استحضار أسماء العلماء.
لقد كانت سبتة مدينة للعلماء قبل أن تصبح عنوانًا دائمًا في نشرات الأخبار الإسبانية، وكان القاضي عياض سبتيًا قبل أن يتحول اسمه إلى مادة في سجالات السياسة والإعلام، وكان العزفيون جزءًا من تاريخ المدينة قبل أن يصبح استحضارهم سببًا للتأويل السياسي.
أما مليلية، فإن حضورها في الذاكرة المغربية لا يمكن محوه بتغيير العناوين أو بإعادة صياغة الروايات التاريخية. فالمدن لا تفقد تاريخها بمجرد تغير موازين القوة، والذاكرة الجماعية لا تُلغى بمرور الزمن.
وفي النهاية، فإن المشكلة ليست في أن المغرب يستحضر تاريخ سبتة ومليلية، وإنما في أن هذا التاريخ نفسه يذكّر بأن للمدينتين صفحات أقدم بكثير من الرواية التي تبدأ مع الاحتلال الإسباني. ولذلك فإن استحضار علماء سبتة في مناسبة دينية لا يمثل تصعيدًا، بل يمثل ببساطة استحضارًا لجزء من تاريخ المغرب والغرب الإسلامي.
وقد تكون المفارقة أن أسماء علماء عاشوا قبل قرون أصبحت، في بعض غرف الأخبار، أكثر إثارة للقلق من القضايا السياسية الراهنة. غير أن التاريخ لا يحتاج إلى إذن كي يُروى، وسبتة ومليلية ستظلان حاضرتين في الذاكرة المغربية مهما حاول البعض تحويل مجرد استحضار اسمي المدينتين إلى قضية سياسية أو أمنية.
25/08/2026