kawalisrif@hotmail.com

صفعة من باماكو للجزائر … مالي تفتح باب المصالحة بشروطها وتُسقط أوهام النفوذ الجزائري في الساحل

صفعة من باماكو للجزائر … مالي تفتح باب المصالحة بشروطها وتُسقط أوهام النفوذ الجزائري في الساحل

تبدو الجزائر ومالي أمام محاولة جدية لطي صفحة طويلة من التوتر، غير أن المعطيات التي رافقت زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، أمس الاثنين 24 غشت، توحي بأن ما يجري ليس مجرد عودة إلى العلاقات التي كانت قائمة قبل اندلاع الأزمة، وإنما بداية صيغة جديدة تحاول باماكو من خلالها إعادة ضبط طبيعة العلاقة مع جارتها الشمالية.

مايغا وصل إلى الجزائر بدعوة من السلطات الجزائرية حاملاً رسالة من الرئيس الانتقالي المالي عاصيمي غويتا إلى الرئيس عبد المجيد تبون، في خطوة تعكس رغبة الطرفين في إعادة فتح قنوات التواصل المباشر بعد أشهر من القطيعة. غير أن اللافت في الخطاب المالي هو التركيز المتكرر على مسألتي احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكأن باماكو تريد منذ البداية وضع حدود واضحة لأي دور جزائري مستقبلي داخل المشهد المالي.

وبعد مباحثاته مع تبون، قال رئيس الوزراء المالي إن الرئيس الجزائري أكد له التزام بلاده بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمالي، مشيراً إلى أن احترام السيادة وعدم التدخل سيكونان من بين الأسس التي ستقوم عليها العلاقات في المرحلة المقبلة. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد فترة اتسمت باتهامات مالية للجزائر بالتدخل في ملفات داخلية، وهي الاتهامات التي ساهمت في دفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أسوأ مراحلها.

وكانت الأزمة قد وصلت إلى نقطة اللاعودة في يناير 2024، عندما أعلنت مالي إنهاء اتفاق السلام الموقع سنة 2015 بوساطة جزائرية، قبل أن تتفاقم الخلافات لاحقاً على خلفية اتهامات متبادلة بين البلدين. وفي ربيع 2025، بلغ التصعيد مستوى غير مسبوق بعد إعلان الجزائر إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود، بدعوى اختراقها المجال الجوي الجزائري، في حين رفضت باماكو الرواية الجزائرية واعتبرت ما حدث اعتداءً عليها.

ولم يتوقف الخلاف عند البيانات والتصريحات، إذ تبادل الطرفان إجراءات دبلوماسية قاسية، من بينها سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي، بينما وجدت الجزائر نفسها في مواجهة ثلاثي الساحل المكون من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بعدما اختارت هذه الدول إعادة بناء تحالفاتها بعيداً عن الصيغ الإقليمية التقليدية.

غير أن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات على رغبة متبادلة في تخفيف التوتر. بدأت الاتصالات السياسية تعود تدريجياً، واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية، قبل أن تأتي زيارة مايغا إلى الجزائر لتمنح مسار المصالحة زخماً جديداً. كما أعلن المسؤول المالي أن الرئيس عاصيمي غويتا قبل القيام بزيارة رسمية إلى الجزائر، على أن يتم تحديد موعدها لاحقاً عبر القنوات الدبلوماسية.

وتحاول الجزائر من خلال هذا المسار استعادة جزء من حضورها في منطقة الساحل، في وقت شهد فيه نفوذها التقليدي تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة. فالعلاقات مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو لم تعد بالشكل الذي كانت عليه، كما ظهرت قوى ومبادرات جديدة تنافس الجزائر على بناء علاقات استراتيجية مع دول المنطقة.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز المغرب كطرف أصبح حاضراً بقوة في الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية الجديدة للساحل. فقد دعمت مالي والنيجر وبوركينا فاسو المبادرة المغربية الرامية إلى منح دول الساحل منفذاً نحو المحيط الأطلسي، بما يفتح أمامها مسارات جديدة للتجارة والنقل ويمنحها خيارات استراتيجية تتجاوز الطرق التقليدية التي ظلت مرتبطة لسنوات بدول الجوار.

ومن ثم، فإن المصالحة الجزائرية المالية لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي تعرفها منطقة الساحل، حيث تتغير التحالفات وتتراجع أدوار كانت تبدو ثابتة، مقابل صعود مبادرات وشراكات جديدة.

والسؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت الجزائر ومالي قد قررتا إنهاء القطيعة، فهذا المسار يبدو واضحاً، وإنما ما إذا كانت الجزائر ستتمكن من استعادة نفوذها السابق في باماكو، أم أن المصالحة الحالية ستؤسس لعلاقة مختلفة تكون فيها مالي أكثر تشدداً في الدفاع عن سيادتها وأكثر حرصاً على تحديد طبيعة الدور الذي يمكن للجزائر أن تلعبه داخل محيطها الإقليمي.

25/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts