kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا :      الناقل الجوي “رايانير” يُمرّغ وزير النقل في التراب … عندما تتحول أزمة الطيران إلى مباراة في الجمع والطرح

إسبانيا : الناقل الجوي “رايانير” يُمرّغ وزير النقل في التراب … عندما تتحول أزمة الطيران إلى مباراة في الجمع والطرح

في مشهد يكشف إلى أي حد يمكن أن تنحدر الخلافات بين الحكومة الإسبانية وشركات الطيران، خرج الرئيس التنفيذي لشركة رايان إير، مايكل أوليري، ليصب الزيت على نار مواجهة مشتعلة مع وزير النقل أوسكار بوينتي، واصفاً إياه بـ”الفاشل”، بل ومشككاً في قدرته على إجراء أبسط العمليات الحسابية. تصريحات نارية لم تترك مجالاً كبيراً للمجاملة، وحولت خلافاً حول رسوم المطارات والطائرات إلى معركة كلامية مفتوحة أمام الرأي العام.

أوليري لم يكتفِ بانتقاد سياسة الوزير الإسباني، بل اختار السخرية المباشرة، متهماً إياه بالإبقاء على ضرائب مرتفعة على الطيران وفرض رسوم “غير اقتصادية” على المطارات الجهوية التي تعاني، بحسب روايته، من ضعف الحركة. وبعبارة أكثر استفزازاً، قال إن إسبانيا لن تستطيع تحقيق مزيد من النمو إلا عندما يكون لديها وزير للنقل “يعرف الجمع والطرح”، في رسالة تحمل قدراً واضحاً من الإهانة السياسية أكثر مما تحمل من لغة رجال الأعمال الهادئة.

في المقابل، لا يبدو أن بوينتي مستعد للجلوس في مقعد المتفرج. فقد اتهم الوزير الإسباني رايان إير بأن تقليص حضورها في عدد من المطارات الإسبانية يرتبط، جزئياً، بنقص الطائرات الناتج عن تأخر شركة بوينغ في التسليم، وهو ما سارعت الشركة إلى نفيه بشكل قاطع. وهكذا انتقل الخلاف من مكاتب الإدارة إلى منصات التواصل، حيث بات كل طرف يحاول تسجيل نقطة جديدة على حساب الآخر، وكأن أزمة النقل الجوي تحولت إلى مباراة مفتوحة بلا حكم.

وتصر رايان إير على أن السبب الحقيقي وراء تقليص رحلاتها يكمن في سياسة الرسوم التي تفرضها شركة إدارة المطارات الإسبانية Aena، معتبرة أن تكاليف تشغيل بعض المطارات الجهوية تجعل تسيير الرحلات إليها أقل جدوى اقتصادياً. أما الحكومة الإسبانية فتقدم رواية مختلفة، وترى أن قرار الشركة لا يمكن اختزاله في الرسوم وحدها، خصوصاً في ظل التأخر الذي عرفته طلبيات الطائرات وتأثيره على استراتيجية الشركة خلال السنوات الأخيرة.

ولم يتوقف أوليري عند حدود الرسوم والمطارات، بل فتح جبهة أوسع، مشيراً إلى دول أوروبية مثل إيرلندا والسويد وسلوفاكيا ومناطق في إيطاليا تعمل، حسب قوله، على خفض الضرائب المفروضة على قطاع الطيران. وفي المقابل، اتهم الوزير الإسباني بتقديم صورة مضللة عن مستوى الضرائب في إسبانيا، مؤكداً أن الرسوم لا يمكن اعتبارها منخفضة ما دامت موجودة أصلاً، في انتقاد يحمل رسالة واضحة: الشركة تريد تخفيض الكلفة، والحكومة تريد تبرير سياستها.

لكن أكثر فصول المواجهة إثارة كان عندما اقترح الرئيس التنفيذي لرايان إير إرسال كتاب بعنوان “الرياضيات الأساسية للحمقى” إلى الوزير بوينتي، في إشارة ساخرة إلى ما اعتبره فشلاً في قراءة أرقام سوق الطيران. ولم تكن هذه أول مرة يختار فيها أوليري أسلوب الهجوم الشخصي في مواجهته مع الحكومة الإسبانية، فقد سبق له أن دخل في سجالات حادة مع وزراء آخرين بسبب سياسات مرتبطة بقطاع الطيران والغرامات المفروضة على شركات النقل الجوي.

بوينتي، من جانبه، لم يترك الساحة فارغة، ورد بسخرية مماثلة عندما قال إنه صدق ما يقوله الرئيس التنفيذي لرايان إير، وربما كان عليه البحث عن “مصدر أكثر موثوقية”. ثم عاد ليؤكد أن تأخر تسليم طائرات بوينغ، وفق تصريحات سابقة لمسؤولي الشركة، أثر فعلاً على سياسة رايان إير خلال السنوات الماضية، بما فيها السنة الحالية، حتى بعد وصول عدد من الطائرات التي كان يفترض أن تصل في وقت أبكر.

وبين اتهام الشركة للحكومة بخنق الطيران بالرسوم، واتهام الوزير للشركة بمحاولة تغطية نقص الطائرات بالهجوم على سياسة المطارات، تبدو إسبانيا أمام خلاف يتجاوز مجرد معركة بين مسؤول حكومي ومدير شركة. فالمواجهة تطرح سؤالاً أكبر حول مستقبل المطارات الجهوية، وجدوى إبقائها مفتوحة، ومن يتحمل فاتورة تشغيلها، ومن يدفع في النهاية ثمن القرارات التجارية والسياسات الحكومية.

والأكثر إثارة أن الحكومة تتحدث عن تقليص نحو ثلاثة ملايين مقعد في المطارات الجهوية، بالتزامن مع رفع الطاقة الاستيعابية في مطارات كبرى مثل مدريد وبرشلونة وبالما. وهي معادلة تفتح الباب أمام جدل حقيقي حول مستقبل الربط الجوي داخل إسبانيا، خصوصاً بالنسبة للمناطق التي تعتمد على الرحلات منخفضة التكلفة لجذب السياح وتنشيط الاقتصاد المحلي.

وفي خضم هذه الحرب، يبدو أن الطائرات ليست وحدها التي تحلق فوق سماء إسبانيا، بل أيضاً الاتهامات والاتهامات المضادة. رايان إير تريد مطارات أقل كلفة، والحكومة تريد شركة تتحمل مسؤولية قراراتها، والوزير والرئيس التنفيذي يتبادلان الضربات على منصات التواصل. وبينما ينتظر المسافر الإسباني أن يعرف هل ستنخفض الأسعار أم ستختفي بعض الرحلات، يبدو أن بوينتي وأوليري قررا حل أزمة الطيران بالطريقة الأكثر صخباً: واحد يتهم الآخر بأنه لا يعرف الحساب، والآخر يرد بأنه ربما صدق الشخص الخطأ.

ولم تعد معركة رايان إير ووزير النقل الإسباني مجرد خلاف عابر حول رسوم المطارات أو عدد الطائرات، بل تحولت إلى مشهد سياسي واقتصادي يكشف حجم الارتباك داخل قطاع الطيران الإسباني. وبينما يتبادل الطرفان الاتهامات والعبارات الساخرة، يبقى المسافر هو من يدفع الثمن، وتبقى المطارات الجهوية معلقة بين قرارات حكومية وشروط شركات الطيران. أما عبارة “لا يعرف الجمع والطرح”، فقد تكون مجرد إهانة في حرب إعلامية، لكنها تفتح سؤالاً أكبر: من الذي أخطأ فعلاً في الحساب… الوزير أم شركة الطيران؟ ومع استمرار التصعيد، يبدو أن سماء إسبانيا لم تعد تتسع للطائرات والخلافات معاً، وأن الرحلة المقبلة بين بوينتي وأوليري قد تكون أكثر سخونة من أي رحلة تحلق فوق مدريد.

26/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts