أثارت السياسة الهجرية في بلجيكا موجة من الجدل والانتقادات الحقوقية، بعد تزايد حالات توقيف طالبي اللجوء داخل مقر مكتب الأجانب، رغم حضورهم بشكل طوعي استجابةً لاستدعاءات رسمية مرتبطة بملفاتهم، في مشهد يطرح أسئلة حادة حول حدود الثقة بين السلطات والأشخاص الذين يوجدون في وضعية هجرة غير مستقرة.
وتتمثل أكثر الحالات إثارة للجدل في توقيف طالب لجوء فلسطيني حضر إلى مكتب الأجانب لإجراء مقابلة رسمية بشأن طلب الحماية الذي تقدم به، قبل أن يجد نفسه، مباشرة بعد انتهاء المقابلة، ممنوعاً من المغادرة، ليتم اقتياده إلى مركز احتجاز مغلق في انتظار إجراءات قد تقوده إلى الترحيل من الأراضي البلجيكية.
وتعود القضية إلى شهر ماي الماضي، عندما تلقى الشاب الفلسطيني استدعاءً رسمياً من مكتب الأجانب للحضور ومناقشة وضعه وطلب الحماية الذي تقدم به. ولم يتردد في الاستجابة للاستدعاء، فتوجه إلى الموعد المحدد، غير أن حضوره الطوعي لم يمنع السلطات من اتخاذ قرار بتوقيفه فور انتهاء المقابلة.
وبررت إدارة الهجرة البلجيكية قرارها بوجود قرارات سابقة تقضي بمغادرة الشاب للبلاد، لم يتم تنفيذها، معتبرة أن هناك مخاوف من احتمال فراره وعدم تنفيذ أي قرار جديد بالترحيل. وهو التبرير الذي فتح الباب أمام سجال قانوني وحقوقي بشأن مدى مشروعية احتجاز شخص استجاب بنفسه لاستدعاء رسمي وحضر إلى مقر الإدارة دون أن تضطر السلطات إلى البحث عنه أو توقيفه في الشارع.
في المقابل، دفع محامي الشاب الفلسطيني بأن موكله أظهر، من خلال حضوره الطوعي، تعاوناً واضحاً مع السلطات، وأن هذا السلوك يتناقض مع فرضية وجود خطر جدي من فراره. كما أشار الدفاع إلى أن الشاب مستقر اجتماعياً في بلجيكا وينتظر مولوداً، وهي معطيات اعتبرها الدفاع ذات أهمية عند تقييم قرار الاحتجاز واحتمال الترحيل.
ولم تتوقف القضية عند حدود الإدارة، بعدما وصلت إلى القضاء البلجيكي، حيث أيدت أعلى محكمة في البلاد، محكمة النقض، الإجراء المتخذ في حق الشاب، ما أعطى للقضية بعداً قانونياً أكبر، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول استخدام الاحتجاز في قضايا الهجرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يتوجهون بأنفسهم إلى السلطات استجابةً لاستدعاءات رسمية.
وتقول المنظمات الحقوقية المنتقدة لهذه الممارسات إن تحويل المقابلات الإدارية إلى نقطة يمكن أن تنتهي بالاحتجاز قد يضرب الثقة بين طالبي اللجوء ومؤسسات الدولة، لأن الشخص الذي يتلقى استدعاءً رسمياً ويمتثل له قد يجد نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه، بعدما دخل مقر الإدارة لإجراء مقابلة ويخرج منه تحت الحراسة.
وتكتسي القضية حساسية أكبر بسبب طبيعة ملفات طالبي اللجوء، التي ترتبط في كثير من الحالات بأوضاع إنسانية وأمنية بالغة التعقيد. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، يضيف استمرار الحرب والتوترات في المنطقة أبعاداً سياسية وإنسانية إلى أي قرار يتعلق بالحماية أو الإبعاد، ما يجعل كل عملية توقيف أو ترحيل محط اهتمام ومراقبة حقوقية واسعة.
وهكذا، تحولت حالة الشاب الفلسطيني إلى نموذج يعكس التوتر المتزايد بين تشديد السلطات البلجيكية لإجراءات الهجرة من جهة، ومطالب المنظمات الحقوقية بضمانات أكبر لطالبي اللجوء من جهة أخرى. وبين من يرى في الاحتجاز وسيلة قانونية لضمان تنفيذ قرارات المغادرة، ومن يعتبر أن توقيف شخص حضر طواعية إلى الإدارة يبعث برسالة مقلقة، يبدو أن ملف الهجرة في بلجيكا يتجه نحو مزيد من المواجهة، حيث لم يعد السؤال فقط من يدخل البلاد، بل ماذا ينتظر من يطرق باب سلطاتها بنفسه.
27/08/2026