kawalisrif@hotmail.com

المغرب يضاعف إنفاقه العسكري.. 5.4 مليارات يورو تثير قلق إسبانيا وتكشف سباقاً جديداً في غرب المتوسط

المغرب يضاعف إنفاقه العسكري.. 5.4 مليارات يورو تثير قلق إسبانيا وتكشف سباقاً جديداً في غرب المتوسط

في وقت تنشغل فيه إسبانيا بأزمات سبتة المحتلة وتداعيات الهجرة والتوترات المتصاعدة على الضفة الجنوبية للمتوسط، جاءت أرقام الإنفاق العسكري المغربي لتفتح جبهة جديدة من النقاش داخل مدريد، بعدما كشفت معطيات حديثة أن الرباط ضاعفت تقريباً إنفاقها العسكري خلال عقد واحد، ليصل إلى نحو 5.4 مليارات يورو سنة 2025، في مسار لا يبدو مجرد زيادة عابرة في الاعتمادات، بل جزءاً من استراتيجية واسعة لتحديث قدرات القوات المسلحة الملكية وتعزيز جاهزيتها.

وبحسب معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، التي أوردتها صحيفة إسبانية، فقد بلغ الإنفاق العسكري المغربي ما يعادل 3.54% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، مقابل 2.13% بالنسبة إلى إسبانيا. وهنا تبدأ المفارقة التي تحاول الصحافة الإسبانية إبرازها: مدريد تنفق رقماً أكبر بكثير من الرباط بالقيمة المطلقة، إذ بلغت ميزانية دفاعها نحو 34.4 مليار يورو، لكن حجم الاقتصاد الإسباني أكبر بكثير، ما يجعل نسبة الإنفاق المغربي من الناتج الداخلي الإجمالي أعلى بشكل واضح.

وتصبح الأرقام أكثر إثارة عندما يتعلق الأمر بالمسار الزمني. فالمغرب لم ينتقل فجأة إلى هذه المستويات، بل حافظ خلال السنوات الماضية على إنفاق عسكري يدور حول 3% من الناتج الداخلي الإجمالي. فقد بلغت النسبة 3.75% سنة 2021، و3.80% سنة 2022، و3.55% سنة 2023، قبل أن تنخفض بشكل طفيف إلى 3.44% سنة 2024، ثم ترتفع مجدداً إلى 3.54% سنة 2025. أما بالقيمة المطلقة، فقد انتقل الإنفاق من نحو 2.8 مليار يورو سنة 2015 إلى 5.4 مليارات يورو سنة 2025، أي إنه تضاعف تقريباً خلال عشر سنوات.

وفي الجهة المقابلة، لم تصل إسبانيا إلى نسبة 2.13% من ناتجها الداخلي الإجمالي إلا سنة 2025، بعدما كانت النسبة في حدود 1.37% سنة 2021، و1.43% سنة 2022، و1.53% سنة 2023، و1.46% سنة 2024. وهي أرقام تعكس بدورها تحولاً في السياسة الدفاعية الإسبانية، خصوصاً تحت ضغط التزامات مدريد داخل حلف شمال الأطلسي، لكن المفارقة أن الرباط كانت تنفق نسبة أعلى من اقتصادها على الدفاع قبل أن تدخل إسبانيا بقوة في سباق رفع الإنفاق العسكري.

وهنا تحاول الصحافة الإسبانية تقديم المغرب باعتباره دولة تسابق الزمن لتقليص الفجوة العسكرية مع إسبانيا. غير أن الواقع، حتى وفق المصدر الإسباني نفسه، أكثر تعقيداً من هذه القراءة؛ فإسبانيا لا تزال تتفوق بشكل واضح في القوة البحرية، والطيران القتالي، والصناعة الدفاعية، والقدرة على الإسقاط العسكري، فضلاً عن عضويتها في حلف الناتو وامتلاكها قاعدة صناعية عسكرية متقدمة وبرامج بحرية وجوية تمتد لعقود.

لكن ما يثير اهتمام مدريد ليس فقط حجم الإنفاق المغربي، بل نوعية ما يتم اقتناؤه. فالمغرب لم يعد يركز على مفهوم تقليدي للدفاع البري، وإنما يتجه نحو بناء منظومة متعددة المجالات، تشمل الطائرات المقاتلة، والطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والمدفعية بعيدة المدى، وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة.

وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى اقتناء وتحديث مقاتلات F-16، والحصول على مروحيات هجومية من طراز AH-64E Apache، وأنظمة HIMARS، إضافة إلى منصات غير مأهولة وأنظمة دفاع جوي متطورة. كما يبرز التعاون العسكري المغربي مع الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحول الذي تعرفه القدرات الدفاعية المغربية.

ومن أنظمة الدفاع الجوي التي أشار إليها المقال الإسباني منظومتا Barak MX وSpyder، إلى جانب طائرات مسيّرة متعددة المصادر، فيما أصبحت تركيا مورداً مهماً في مجال الطائرات غير المأهولة، بينما تواصل الولايات المتحدة لعب دور أساسي في مجال الطائرات المقاتلة وأنظمة المدفعية.

وتذهب الصحيفة أبعد من ذلك عندما تقدر أن المغرب خصص منذ سنة 2002 ما يقارب 70 مليار دولار للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، وهو رقم، إن صح وفق منهجية احتسابه، يكشف أن عملية التحديث العسكري المغربي ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما مشروع طويل المدى تراكمت مراحله تدريجياً.

غير أن ربط هذا التطور العسكري المغربي بإسبانيا وحدها يبدو قراءة ناقصة. فالمغرب يتحرك داخل بيئة إقليمية معقدة، تتداخل فيها تحديات الأمن الوطني، والتنافس الإقليمي، وتطور التهديدات الجوية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن قضية الصحراء المغربية والتوازنات العسكرية في شمال إفريقيا. ولذلك فإن اختزال كل هذا المسار في عبارة “المغرب يقترب من إسبانيا” يخدم العنوان الصحافي أكثر مما يشرح حقيقة التحولات الجارية.

ومع ذلك، يصعب على مدريد تجاهل التطور المتسارع لقدرات جارتها الجنوبية، خصوصاً أن المغرب وإسبانيا لا يفصل بينهما سوى مضيق بحري ضيق، وأن ملفات سبتة ومليلية المحتلتين والمجالين البحري والجوي تجعل أي تحول عسكري كبير في المنطقة محل متابعة دقيقة داخل المؤسسات الإسبانية.

واللافت أن النقاش الإسباني يأتي في وقت تتحدث فيه مدريد نفسها عن رفع الإنفاق الدفاعي والوفاء بالتزاماتها داخل الناتو. فالحكومة الإسبانية دافعت عن بلوغها مستوى 2.1% من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما يشير التقرير إلى أن جزءاً من الرقم المعلن يتضمن نحو 10.47 مليارات يورو على شكل قروض للشركات ضمن الخطة الصناعية والتكنولوجية للأمن والدفاع. ووفق قراءة الصحيفة، فإن استبعاد هذه المبالغ سيجعل الجهد الدفاعي الإسباني في حدود تقارب 1.5% من الناتج الداخلي الإجمالي.

وهنا تظهر المفارقة التي لا تخدم الخطاب الإسباني كثيراً: المغرب، الذي يملك اقتصاداً أصغر بكثير من الاقتصاد الإسباني، يخصص منذ سنوات نسبة مرتفعة ومستقرة من ناتجه للدفاع، بينما لم تبدأ إسبانيا في الاقتراب من عتبة 2% إلا تحت ضغط التحولات الجيوسياسية والتزاماتها الأطلسية.

ومع كل ذلك، لا يعني ارتفاع الإنفاق المغربي أن الرباط أصبحت عسكرياً في مستوى مدريد، كما لا يعني امتلاك بعض المنظومات المتطورة امتلاك منظومة عسكرية متكاملة تضاهي قوة أوروبية عضو في الناتو. لكن المؤكد أن الفجوة في بعض المجالات بدأت تضيق، خصوصاً في الطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والاستطلاع، والمدفعية بعيدة المدى، وهي مجالات أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من معادلات القوة العسكرية الحديثة.

وإذا كانت إسبانيا تراهن على تفوقها البحري والجوي وصناعتها الدفاعية وعلاقاتها داخل الناتو، فإن المغرب يراكم في المقابل عناصر قوة جديدة، ويعيد رسم منظومته الدفاعية على أساس التكنولوجيا والشراكات وتنويع مصادر السلاح. وبينما كانت الرباط قبل سنوات تراقب سباق التسلح من موقع مختلف، فإنها اليوم أصبحت لاعباً يصعب تجاهله في الحسابات العسكرية لغرب المتوسط.

وبذلك، فإن قصة الـ5.4 مليارات يورو ليست مجرد قصة ميزانية عسكرية ارتفعت من 2.8 مليار إلى 5.4 مليارات خلال عقد، بل عنوان لتحول أوسع: المغرب لا يرفع فقط حجم إنفاقه الدفاعي، بل يغير طبيعة القوة التي يريد امتلاكها. أما إسبانيا، التي اعتادت النظر إلى الضفة الجنوبية من موقع تفوق عسكري واضح، فتجد نفسها أمام واقع إقليمي جديد يفرض عليها إعادة حساب المسافات، ليس لأن المغرب أصبح أقوى من إسبانيا، وإنما لأن المغرب أصبح، في بعض المجالات، أقرب إلى مستوى لم تعد معه المقارنة القديمة كافية.

وفي غرب المتوسط، حيث المسافات قصيرة والمصالح متشابكة والملفات الحساسة لا تنتهي، قد لا تكون المعادلة الحقيقية في عدد المليارات التي تنفقها كل دولة، بل في السؤال الأصعب: من سيملك خلال السنوات المقبلة التكنولوجيا والقدرات التي تسمح له بفرض معادلات جديدة في المنطقة؟

27/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts