kawalisrif@hotmail.com

إسبانبا: خريطة أورونج تشعل غضب البوليساريو.. حين يتحول المغرب إلى عقدة في إسبانيا حتى داخل الإعلانات

إسبانبا: خريطة أورونج تشعل غضب البوليساريو.. حين يتحول المغرب إلى عقدة في إسبانيا حتى داخل الإعلانات

مرة أخرى يجد المغرب نفسه حاضراً في قلب سجال إسباني لا علاقة له هذه المرة لا بالدبلوماسية ولا بالسياسة الخارجية ولا حتى بقرار حكومي، وإنما بخريطة ظهرت على لوحة إعلانية لشركة اتصالات على الطريق السيار AP-7. لوحة إعلانية عادية في ظاهرها، لكنها تحولت فجأة إلى مادة سياسية، بعدما أظهرت خريطة للمغرب تضم الصحراء المغربية، وهو ما أثار احتجاج ممثل ما يسمى جبهة البوليساريو في إسبانيا ودفع الشركة إلى إعلان نيتها إزالة الإعلان خلال الأيام المقبلة.

القصة، كما يقدمها موقع El Independiente، تكشف قبل كل شيء حجم الحساسية التي أصبحت تحيط بأي تمثيل خرائطي للمغرب في إسبانيا. فمجرد ظهور الصحراء المغربية ضمن خريطة المملكة في إعلان تجاري كان كافياً لتحريك ممثل البوليساريو، وكأن الأمر يتعلق بقرار سيادي صادر عن الحكومة الإسبانية، وليس بتصميم إعلاني لشركة تجارية.

الأكثر إثارة في الرواية ليس الإعلان في حد ذاته، وإنما الطريقة التي جرى بها تقديمه. فالمقال يحاول إعطاء الانطباع بأن ظهور الصحراء المغربية ضمن خريطة المغرب يمثل واقعة استثنائية تستوجب التراجع، بينما يتجاهل أن قضية الصحراء أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً من واقع جيوسياسي جديد، وأن مواقف دول وازنة بدأت تتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع.

والأغرب أن المقال يستحضر عبارة أن الصحراء الغربية كانت مقاطعة إسبانية إلى غاية سنة 1975، وكأن مجرد هذا التذكير التاريخي يمنح مدريد حقاً دائماً في تحديد كيف ينبغي أن تظهر خريطة المغرب اليوم. هنا بالضبط تبدو عقدة الماضي الاستعماري أكثر حضوراً من الواقع السياسي الحالي. فإسبانيا، التي يفترض أن تكون قد طوت صفحة استعمارها للمنطقة منذ عقود، ما زالت بعض منابرها الإعلامية تتعامل مع الصحراء كما لو أن الملف ملكية إسبانية قابلة لإعادة التداول متى شاءت.

لكن المفارقة الصارخة أن الموقع نفسه يذكر أن خرائط مماثلة ظهرت سابقاً لدى مؤسسات وهيئات إسبانية، من وكالة الأرصاد الجوية Aemet إلى Enaire، بل وحتى التلفزيون العمومي TVE. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تتحول كل خريطة تظهر الصحراء ضمن المغرب إلى مناسبة لإعادة إنتاج رواية البوليساريو؟ ولماذا لا يتعامل الإعلام الإسباني مع الأمر باعتباره نقاشاً حول تمثيل جغرافي، بدل تحويله إلى معركة سياسية مفتوحة؟

الأدهى أن الإعلان لم يأتِ من مؤسسة حكومية مغربية ولم يكن بياناً دبلوماسياً ولا موقفاً رسمياً، بل كان حملة إعلانية لشركة اتصالات. ومع ذلك، وجد ممثل البوليساريو في إسبانيا في الخريطة مناسبة لإطلاق التهديد باتخاذ ما سماه الإجراءات المناسبة إذا لم تتم إزالة الخريطة خلال أجل معقول. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من منح هذه الجبهة كل هذه القدرة على فرض الرقابة السياسية على خرائط الشركات التجارية في إسبانيا؟

القصة تكشف أيضاً شيئاً آخر أكثر أهمية: المغرب لم يعد مجرد موضوع في العلاقات الإسبانية، بل أصبح حاضراً بقوة في تفاصيل الحياة السياسية والإعلامية والاقتصادية الإسبانية. خريطة على لوحة إعلانية تكفي لإشعال نقاش، وزيارة مسؤول مغربي تثير الجدل، وملف الصحراء يعود إلى الواجهة مع كل مناسبة. إنها ليست قوة البوليساريو بقدر ما هي دلالة على حجم التحول الذي أحدثه المغرب في معادلات المنطقة.

فلو كان موقف البوليساريو قوياً إلى هذه الدرجة، لما احتاج ممثلوها إلى مطاردة الخرائط الإعلانية على الطرق السيارة. ولو كانت روايتها تحظى بتلك القوة التي تحاول بعض المنابر الإسبانية إظهارها، لما أصبح مجرد ظهور خريطة للمغرب تضم صحراءه مصدر قلق يستوجب الاحتجاج والضغط والتلويح بالإجراءات.

واللافت أيضاً أن المقال يتعامل مع مصطلح الصحراء الغربية باعتباره حقيقة سياسية نهائية، في حين أن النزاع لا يزال موضوع مسار أممي، وأن المغرب يطرح الحكم الذاتي باعتباره الحل السياسي الواقعي للنزاع. لذلك فإن تقديم الخريطة المغربية باعتبارها استفزازاً، من دون الإشارة إلى التحولات الدولية والإقليمية التي عرفها الملف، ليس حياداً إعلامياً بقدر ما هو انتقاء يخدم زاوية سياسية محددة.

ثم إن إسبانيا نفسها ليست خارج هذه المعادلة. فمدريد تعرف جيداً أن علاقتها بالرباط تجاوزت منذ سنوات مرحلة المجاملات الدبلوماسية، وأن التعاون بين البلدين في الأمن والهجرة والتجارة والطاقة والاستثمار يجعل من الصعب التعامل مع المغرب بمنطق الماضي الاستعماري. وإذا كانت بعض الأوساط الإسبانية لا تزال تنظر إلى الصحراء من نافذة 1975، فإن المغرب ينظر إليها من نافذة 2026، أي من موقع دولة تعزز شراكاتها الدولية وتدافع عن وحدتها الترابية بثقة أكبر.

المثير للسخرية أن المغرب لا يحتاج إلى مطاردة الخرائط في إسبانيا. يكفي أن يواصل بناء مشاريعه وموانئه وطرقه وشبكاته التجارية وشراكاته الدولية، بينما يواصل خصومه البحث عن خرائط في لوحات الإعلانات لإثبات أن قضيتهم ما زالت حاضرة. الفرق أن الخرائط يمكن تغييرها بضغطة زر، أما التحولات الجيوسياسية فلا تمحى بممحاة إعلانية.

والأكثر إحراجاً في القصة أن شركة أورونج المغرب سارعت، بحسب الرواية المنشورة، إلى الالتزام بإزالة الإعلان بعد احتجاج ممثل البوليساريو. فإذا كانت الشركة قد اختارت تفادي الجدل التجاري فهذا مفهوم منطقياً، لكن تحويل القرار التجاري إلى انتصار سياسي للبوليساريو هو المبالغة بعينها. فانسحاب إعلان لا يغير واقعاً جغرافياً، ولا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا يمنح جبهة انفصالية شرعية لم تحصل عليها بمجرد الاحتجاج على لوحة إعلانية.

لقد حاول المقال أن يجعل من خريطة على طريق سيار قضية سياسية كبرى، لكنه كشف من حيث لا يريد هشاشة الرواية التي يدافع عنها. فحين تصبح الخريطة المغربية في إعلان تجاري حدثاً يستوجب التعبئة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في الخريطة، بل في الحقيقة التي تزعج أصحاب الرواية القديمة: المغرب حاضر، والصحراء حاضرة، والمشهد الإقليمي يتغير، ومن لم يستوعب ذلك سيظل يطارد الخرائط على الطرق السيارة بينما تتحرك السياسة بعيداً عنه.

في النهاية، ليست لوحة أورونج هي التي تحتاج إلى إعادة رسم، بل بعض الخرائط الذهنية التي ما زالت عالقة في إسبانيا عند سنة 1975. أما المغرب، فقد تجاوز تلك الصفحة منذ زمن، وترك للآخرين مهمة عدّ الخطوط على الخرائط ومراقبة الإعلانات، بينما يصنع على الأرض واقعاً جديداً يصعب تجاهله أو محوه.

28/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts