في الوقت الذي تحاول فيه مدريد تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يملك زمام المبادرة في ملف سبتة ومليلية، خرج وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أمام البرلمان يومه الجمعة 28 غشت الجاري، ليعلن بلهجة حاسمة رفض حكومته لأي مطالب مرتبطة بمستقبل المدينتين، مؤكداً أن موقف إسبانيا بشأن السيادة عليهما لا يخضع، بحسب رواية مدريد، لأي نقاش أو مراجعة.
غير أن هذه اللهجة الصارمة اصطدمت بمعطى آخر لا تستطيع الحكومة الإسبانية تجاهله: عندما اشتدت أزمة الهجرة الأخيرة، لم تكن مدريد تتحرك بمفردها، بل وجدت نفسها في حاجة إلى تعاون الرباط وتنسيقها الأمني لضبط الوضع على الأرض.
وهنا تظهر المفارقة التي تضع السياسة الإسبانية أمام اختبار حقيقي: مدريد تريد تعاوناً أمنياً واسعاً مع المغرب، وتصف هذا التعاون بأنه “أساسي”، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين بمنطق الرفض المطلق، وكأن ملف المدينتين منفصل تماماً عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تجمع البلدين.
ألباريس حاول بالفعل الفصل بين الملفين، مؤكداً أن التعاون مع المغرب في مجال الهجرة لا يعني، بالنسبة لإسبانيا، أي تغيير في موقفها من وضع سبتة ومليلية. لكن هذا الفصل السياسي لا يلغي حقيقة أن المدينتين تشكلان نقطة حساسة في العلاقة المغربية الإسبانية، وأن أي أزمة حولهما تتحول سريعاً إلى اختبار لمتانة التفاهمات بين الرباط ومدريد.
وتزامنت تصريحات الوزير الإسباني مع جلسات برلمانية خصصت لمناقشة التداعيات الأمنية والسياسية لأزمة الهجرة التي اندلعت في 30 يوليوز الماضي، بعدما شهدت سبتة تدفقاً بشرياً استثنائياً، قُدر بنحو 72 ألف شخص خلال ساعات، وفق الأرقام التي قدمها وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا.
ورغم ضخامة الرقم، أقرت الحكومة الإسبانية بأن التنسيق مع السلطات المغربية لعب دوراً أساسياً في احتواء الأزمة، حيث جرى، وفق الرواية الرسمية الإسبانية، إرجاع الغالبية الساحقة من الوافدين، بينما بقي حوالي 5 آلاف شخص داخل المدينة.
والأكثر دلالة أن مارلاسكا كشف أن السلطات المغربية أحبطت آلاف محاولات الإبحار باتجاه السواحل الإسبانية منذ بداية الأزمة، وهو ما يبرز حجم الدور الذي اضطلعت به الرباط في الحد من تداعيات واحدة من أكثر الأزمات إحراجاً لمدريد.
ومع ذلك، حرص وزير الداخلية الإسباني على عدم توجيه اتهام مباشر للمغرب، مؤكداً أن الأزمة كانت نتيجة “أسباب متعددة”، كما أقر بأن أجهزة الاستخبارات الإسبانية والأوروبية لم تتمكن من توقع هذا التدفق الاستثنائي.
هذا الاعتراف يطرح سؤالاً محرجاً للحكومة الإسبانية: إذا كانت أجهزتها الاستخباراتية لم تتوقع الأزمة، وإذا كان التعاون مع المغرب هو الذي ساهم في احتوائها، فلماذا تصر مدريد في الوقت نفسه على تقديم علاقتها مع الرباط من موقع المتحكم الوحيد في قواعد اللعبة؟
المعارضة الإسبانية لم تفوت الفرصة، إذ وجهت انتقادات قوية إلى الحكومة، واتهمتها بالفشل والإهمال في تدبير الأزمة، خصوصاً مع ظهور ما اعتبرته روايات متناقضة بشأن المعلومات الاستخباراتية التي سبقت وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين.
وفي محاولة لمنع تكرار السيناريو، أعلنت الحكومة الإسبانية عن طلب تمويل أوروبي بقيمة 35.6 مليون يورو، بهدف تمديد الحواجز البحرية في منطقتي ترخال وبنزو وتعزيز أنظمة المراقبة الحدودية.
لكن المفارقة تبقى قائمة: مدريد تريد المزيد من الحواجز، والمزيد من المراقبة، والمزيد من الدعم الأوروبي، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى التنسيق مع المغرب، البلد الذي توجد معه مباشرة على الضفة الأخرى من الحدود، والذي أثبتت الأزمة الأخيرة أن أي اضطراب على مستوى العلاقة معه يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على سبتة ومليلية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الحدود، إذ تحولت بعض الاحتجاجات داخل سبتة إلى أعمال عنف، شملت محاولات عرقلة توزيع المساعدات الغذائية التي يقدمها الصليب الأحمر، إضافة إلى إحراق أماكن لإيواء المهاجرين، ما دفع السلطات إلى التدخل أمنياً.
وهكذا، وبينما اختارت مدريد رفع سقف خطابها السياسي بشأن السيادة على سبتة ومليلية، كشفت أزمة الهجرة في المقابل أن الجغرافيا تفرض على إسبانيا التعامل مع المغرب باعتباره طرفاً مركزياً لا يمكن تجاوزه.
فالمغرب لا يحتاج إلى رفع الشعارات حتى يثبت أهمية موقعه في هذه المعادلة؛ يكفي النظر إلى ما حدث خلال ساعات الأزمة ليتضح أن أمن سبتة ومليلية لا يرتبط فقط بالحواجز التي تبنيها إسبانيا، وإنما أيضاً بما يجري على الجانب الآخر من الحدود.
وبينما تقول مدريد إن ملف السيادة “مغلق”، تواصل سبتة ومليلية طرح السؤال نفسه على السياسة الإسبانية: هل تستطيع إسبانيا فعلاً فصل مستقبل المدينتين عن علاقتها الاستراتيجية والجغرافية والسياسية بالمغرب؟
الإجابة قد لا تكون في تصريحات الوزراء داخل البرلمان، بل في الوقائع التي تفرض نفسها كلما اهتزت الحدود.
28/08/2026