عاد النقاش حول حدود استعمال الإمكانات العمومية في الاستحقاقات الانتخابية إلى الواجهة بإقليم الدريوش، بعدما وجه عدد من المهتمين بالشأن العام والمنتخبين انتقادات حادة للخلط بين تدبير الشأن العام وبين التنافس على أصوات الناخبين، في سياق الحملة الانتخابية المرتبطة بالانتخابات التشريعية المقبلة.
مصادر من الإقليم قالت في إتصالات مع جريدة “كواليس الريف” ، أن الجدل يرتبط، من بين أمور أخرى، بالمرشح عزيز مكنيف، شقيق بارون الغاز المستشار البرلماني محمد مكنيف، والذي يخوض الاستحقاقات التشريعية باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
المثير في الموضوع، وفق المصادر نفسها، هو الحديث عن تحرك شبكة واسعة من المنتخبين والمسؤولين المحليين المحسوبين على الحزب، من بينهم مصطفى بنشعيب، رئيس المجلس الإقليمي للدريوش، إلى جانب رؤساء جماعات تفرسيت وقاسيطة ووردانة وبني مرغنين وأولاد أمغار، فضلاً عن منتخبين آخرين، في سياق سياسي يراه منتقدون مرتبطاً بمحاولة تعزيز حظوظ المرشح عزيز مكنيف.
ولا يتعلق الأمر، بحسب هؤلاء، بمجرد دعم سياسي عادي لمرشح حزبي، وهو أمر مشروع في الأصل، وإنما بما يعتبرونه تداخلاً مقلقاً بين النفوذ الانتخابي والإمكانات والمشاريع العمومية، خصوصاً تلك المرتبطة بفك العزلة عن العالم القروي وفتح الطرق والمسالك والمشاريع التي تستفيد منها ساكنة عدد من الجماعات ، والتي برمجتها وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز ومجلس جهة الشرق بتنسيق مع عمالة إقليم الدريوش .
السؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة في أوساط عدد من المتابعين والمهتمين هو: أين تنتهي مسؤولية المنتخب في تدبير الشأن العام، وأين تبدأ مهمته كفاعل حزبي يسعى إلى كسب الأصوات؟
فالمشاريع العمومية، بحسب المنتقدين، يفترض أن تخدم جميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لإنتاج الولاء الانتخابي أو إلى مادة يتم استثمارها في الحملات الانتخابية لصالح مرشح بعينه.
ويرى هؤلاء أن الإشكال لا يكمن في أن يتحدث أي مرشح عن المشاريع التي تحققت خلال الولاية الحكومية أو الجماعية، أو أن يقدم حصيلة حزبه للناخبين، وإنما في إعطاء الانطباع بأن مشاريع الدولة جاءت بفضله ، وأن استمرارها أو الاستفادة منها مرتبطان بالتصويت عليه.
وهنا تحديداً، يقول المنتقدون، يصبح الأمر أكثر حساسية عندما يكون المرشح عزيز مكنيف موضوع النقاش هو شقيق محمد مكنيف، الكائن الإنتخابي الذي يشتري كل شئ في جميع الاستحقاقات التي يكون طرفا فيها أو شقيقه ، سواء بالإقليم أو في الجهة .
ترشح عزيز مكنيف باسم حزب الأصالة والمعاصرة وضع اسمه في قلب المنافسة الانتخابية بالإقليم، غير أن دخول شقيقه إلى السباق السياسي لم يمر، وفق المصادر نفسها، من دون إثارة أسئلة حول طبيعة شبكة الدعم السياسي والانتخابي التي تحيط به.
فمنتقدون يتساءلون عن حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه المنتخبون ورؤساء الجماعات في دعم مرشح حزبي، وعن مدى الفصل بين وظائفهم المؤسساتية ومسؤولياتهم الانتخابية والحزبية.
ويؤكد هؤلاء أن دعم المرشح سياسياً أمر مشروع، لكن استعمال الموقع المؤسساتي أو ربط المشاريع العمومية بالمرشح أو الحزب أو تقديمها للناخبين كأنها “ثمرة مباشرة” لجهود انتخابية خاصة، أمر آخر يستوجب النقاش والتوضيح.
ويأتي اسم مصطفى بنشعيب، رئيس المجلس الإقليمي للدريوش، ضمن الأسماء التي يرددها المنتقدون في هذا السياق، متسائلين عن الحدود الفاصلة بين مسؤولياته على رأس مؤسسة منتخبة وبين موقعه داخل المشهد الحزبي والانتخابي.
وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن بنشعيب مطالب بأن يمثل جميع المواطنين، بمن فيهم من لا يصوتون للحزب الذي ينتمي إليه، وأن تظل المشاريع والقرارات العمومية مرتبطة بالمصلحة العامة وليس بمنطق الولاء الانتخابي.
ويشدد المنتقدون على أن المجلس الإقليمي ليس لجنة انتخابية لأي مرشح، وأن المشاريع التي تساهم المؤسسات العمومية في تمويلها أو إنجازها يجب أن تقدم باعتبارها حقوقاً جماعية للساكنة، وليس باعتبارها خدمات شخصية يقدمها هذا المسؤول أو ذاك.
ولا يتوقف الجدل، وفق المصادر التي تحدثت إلى “كواليس الريف”، عند محمد مكنيف أو مصطفى بنشعيب، إذ يتم تداول أسماء رؤساء جماعات ومنتخبين بعدد من مناطق الإقليم، من بينها تفرسيت وقاسيطة ووردانة وبني مرغنين وأولاد أمغار، إلى جانب منتخبين آخرين ، وعلى رأسهم آكل الجيف الإنتخابية محمد بوصميض رئيس جماعة أزلاف السابق .
ويقول منتقدون إن المطلوب من هؤلاء هو توضيح طبيعة تحركاتهم ومواقفهم، وهل تتم في إطار مسؤولياتهم المؤسساتية العادية، أم في إطار حملة سياسية وانتخابية لصالح المرشح عزيز مكنيف.
فالمسؤول المنتخب يستطيع، بصفته الحزبية، أن يعلن دعمه لمرشح، وأن يشارك في الاجتماعات الانتخابية، وأن يدافع عن البرنامج الحزبي، لكنه، بصفته مسؤولاً عمومياً، مطالب أيضاً باحترام مبدأ الحياد في تدبير المرفق العمومي وعدم تحويل الإمكانات العمومية إلى وسيلة للدعاية الانتخابية.
ففتح طريق أو إصلاح مسلك أو ربط دوار بشبكة أو إنجاز مشروع تنموي، يقول هؤلاء، ليس “جميلة” انتخابية يقدمها حزب للناخبين، وإنما هو جزء من السياسات العمومية التي يفترض أن تصل إلى المواطنين بناءً على حاجياتهم وأولويات التنمية.
بالنسبة إلى المنتقدين، فإن مجرد تكريس هذا النوع من الخطاب سيكون كافياً لخلق اختلال في المنافسة الانتخابية، لأنه يجعل مرشحاً يستفيد، سياسياً، من المشاريع والإمكانات التي يفترض أنها ملك لجميع المواطنين.
ويرى عدد من المنتخبين والمهتمين الذين تحدثوا إلى الجريدة، أن المال العام يجب أن يبقى بمنأى عن أي توظيف انتخابي، بشكل مباشر أو غير مباشر.
فالناخب، بحسب تصورهم، ليس مديناً لمرشح لأنه استفاد من طريق أو مشروع أو خدمة عمومية.
المواطن يدفع الضرائب، والدولة تنجز المشاريع، والمؤسسات العمومية تدبر المال العام، والناخب في النهاية يختار من يراه جديراً بتمثيله.
أما تحويل العلاقة إلى منطق “المشروع مقابل الصوت”، ولو عبر التلميح أو الإيحاء أو الخطاب السياسي، فيعتبره المنتقدون انزلاقاً خطيراً يضرب جوهر المنافسة الديمقراطية.
وفي المقابل، يؤكد المتحدثون أن من حق حزب الأصالة والمعاصرة ومرشحه عزيز مكنيف أن يقدما حصيلتهما السياسية، وأن يدافعا عنها أمام الناخبين، وأن ينسبا لأنفسهما ما يثبتان أنه نتاج مباشر لتدخلاتهما.
فالمرشح يستطيع أن يدافع عن حصيلته بالكلمة والبرنامج والأرقام والوثائق، وليس من المقبول، وفق هذا الطرح، أن تصبح آليات المرفق العمومي أو المشاريع الممولة من المال العام جزءاً من عدة انتخابية لأي مرشح.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يبدو أن الصراع الانتخابي في الدريوش يتجاوز هذه المرة مجرد التنافس بين أسماء ولوائح، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والحزب والمرشح والمرفق العمومي.
01/09/2026