في الحسيمة، يبدو أن المرجان الأحمر لم يعد بحاجة إلى غواصة لاكتشاف قيمته؛ يكفي أن يُسمح للمطرقة بالنزول إلى القاع حتى تتحول المحمية إلى ما يشبه خزينة بحرية مفتوحة. خمسة أطنان في مرمى الاستغلال، وخمسون كيلوغراماً لكل رحلة، والغطاسون جاهزون، والمطرقة في وضعية “العمل”… أما المرجان نفسه، فله مشكلة صغيرة جداً: يحتاج، بحسب المعطيات المتداولة والدراسات المشار إليها، إلى نحو سنة كاملة لينمو سنتيمتراً واحداً!
وهنا تبدأ المفارقة: الطبيعة تشتغل بنظام السنتيمتر في السنة، بينما الاستغلال يشتغل بنظام الكيلوغرام في الرحلة. وبين التوقيتين، يبدو أن المرجان هو الحلقة الوحيدة التي لم يُستشر أصحاب القرار في جدول أعمالها.
القرار رقم 06 FL/2026 المؤرخ في 4 غشت 2026 فتح المجال أمام استغلال المرجان الأحمر بمنطقة طوبو، المشار إليها في الصورة بالأحمر داخل الجزء البحري للمنتزه الوطني، لأزيد من مائة يوم، ابتداءً من 15 غشت إلى غاية 30 نونبر، وحدد الحصة الإجمالية في خمسة أطنان، مع سقف أقصى يبلغ 50 كيلوغراماً في الرحلة الواحدة لكل سفينة، ورحلة واحدة يومياً، على أن يتم اقتلاع المستعمرات باستعمال المطرقة. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للقلق، لأن الأمر يتعلق بكائن بحري بطيء النمو والتجدد، وليس بصندوق بطاطس يمكن ملؤه من جديد في اليوم الموالي.
وتزداد المفارقة غرابة عندما نضع سرعة نمو المرجان أمام سرعة شهية الاستغلال. فبحسب الدراسات، لا ينمو المرجان الأحمر إلا بحوالي سنتيمتر واحد في السنة. أي أن الطبيعة تحتاج سنة كاملة لتمنحنا سنتيمتراً واحداً، بينما قد تكفي رحلة بحرية ومطرقة لانتزاع ما راكمته الطبيعة ببطء على مدى سنوات. يبدو أن هناك من اكتشف أخيراً معادلة اقتصادية مذهلة: الطبيعة تعمل بنظام السنتيمتر في السنة، بينما الاستغلال يعمل بنظام 50 كيلوغراماً في الرحلة !
ولفهم حجم المفارقة أكثر، فإن الحديث عن خمسة أطنان لا يتعلق بكمية بلا قيمة. فبحسب تقديرات متداولة، يمكن أن تصل القيمة المالية الإجمالية لهذه الكمية إلى ما لا يقل عن خمسة مليارات سنتيم، وقد ترتفع إلى حدود عشرين مليار سنتيم، تبعاً لجودة المرجان وحجمه، أي ما يعادل تقريباً 50 إلى 200 مليون درهم. خمسة مليارات سنتيم في الحد الأدنى، وعشرون ملياراً في سقف التقديرات، مقابل كائن يحتاج إلى سنوات طويلة كي ينمو. وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً: من الذي يملك الصبر، ومن الذي يملك المطرقة؟
المعادلة تكاد تكون ساخرة في حد ذاتها: المرجان يحتاج سنة لينمو سنتيمتراً واحداً، بينما الاستغلال يريد احتساب الثروة بالكيلوغرام والطن. وبين السنتيمتر والكيلوغرام والطن، تختفي كلمة صغيرة يفترض أن تكون كبيرة جداً في أي محمية طبيعية: الاستدامة.
المفارقة أن مساحة الجزء البحري من المنتزه الوطني للحسيمة تصل إلى نحو 19 ألفاً و600 هكتار، أي ما يقارب 196 كيلومتراً مربعاً، بينما تمتد منطقة صيد المرجان داخل هذه المحمية على حوالي 7186 هكتاراً، أي ما يقارب 37 في المائة من مجموع المجال البحري المحمي. وبعبارة أبسط، فإن جزءاً مهماً من البحر الذي يفترض أن يحظى بالحماية أصبح مفتوحاً أمام نشاط استخراج ثروة بيولوجية حساسة، وهو ما يجعل السؤال مشروعاً: أين تنتهي الحماية وتبدأ عملية الاستنزاف؟
أما طريقة الاقتلاع فتستحق بدورها وقفة، لأن المرجان الأحمر ليس محصولاً ينبت فوق أرض زراعية ثم يُحصد دون عواقب. إنه كائن ملتصق بالصخور، واقتلاعه بالقوة قد لا يقتصر أثره على المستعمرة المستهدفة، بل يمكن أن يمتد إلى محيطها من الصخور والكائنات البحرية والمستعمرات المجاورة. لذلك فإن الحديث عن أطنان مسموح بها لا يكفي وحده لطمأنة المهتمين بالبيئة، ما لم يكن وراء هذه الأرقام جرد علمي دقيق يحدد حقيقة المخزون وقدرته على تحمل الاستغلال.
وفي خضم هذه الأسئلة، تبرز المعطيات المتداولة حول المطالب المهنية المرتبطة بهذا النشاط، ومن بينها ما يُنسب إلى منير الدراز، رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، من مطالبة بإضافة غطاس ثالث على متن سفن صيد المرجان. والسؤال هنا لا يحتاج إلى كثير من الفلسفة: هل نحن أمام نشاط صيد عادي يحتاج إلى ضبط، أم أمام توجه يرمي إلى رفع القدرة على استخراج أكبر قدر ممكن من المرجان الأحمر؟
هنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية: المرجان يحتاج سنوات لينمو، والمطرقة تحتاج لحظات لتقتلع.
غطاس ثالث؟ ولماذا لا رابع إذا كانت الغاية هي مضاعفة القدرة على الاستخراج؟ وربما نحتاج لاحقاً إلى غرفة قيادة عائمة، ومسؤول عمليات تحت الماء، وخريطة أهداف، وساعة توقيت، حتى يصبح المشهد أكثر اكتمالاً: كومندو بحري ينزل إلى الأعماق، والمرجان في مرمى الاستهداف، وسعادة الدراز بمنظار القراصنة واقفاً يرصد غنائم المحمية باسم الاستغلال المنظم.
لكن القضية لا تتعلق بعدد الغطاسين وحده، بل بالفلسفة التي تقف خلف هذا التوجه. فإذا كان المرجان يحتاج، وفق الدراسات، إلى نحو سنة كاملة لينمو سنتيمتراً واحداً، فإن التعامل معه بمنطق الغلة السريعة يبدو أقرب إلى سباق بين الطبيعة والمطرقة. الطبيعة تبني ببطء، والاستغلال يهدم بسرعة، والحساب النهائي لا يظهر في دفتر الأرباح وحده، بل في قاع البحر أيضاً.
والقرار نفسه يعترف بأهمية الجانب العلمي عندما ينص على تتبع المخزون من طرف المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ومراقبة بيولوجيا المستعمرات وتأثير الاستغلال عليها. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت الحاجة إلى المراقبة العلمية قائمة، فلماذا لا تكون المعطيات العلمية الكاملة والواضحة هي نقطة الانطلاق قبل تحديد الحصة، وليس مجرد عملية مواكبة بعد فتح باب الاستغلال؟ فالوقاية الحقيقية تبدأ قبل الاستخراج، لا بعد أن يصبح المرجان المقتلع مجرد رقم في تقرير.
والحسيمة ليست غريبة عن الجدل المرتبط بهذا النشاط، فقد سبق أن أثير فيها ملف مرتبط باستغلال المرجان الأحمر، مع حديث عن تفكيك نشاط استعان بأجانب وإغلاق معمل بشارع فلسطين. وهي حقائق تاريخية تذكّر بأن ملف المرجان في المنطقة ليس وليد اليوم، وأن أي عودة إلى الاستغلال تحتاج إلى شفافية مضاعفة ومراقبة أكثر صرامة.
المطلوب اليوم ليس شيطنة النشاط الاقتصادي ولا منع المهنيين من الاستفادة من الثروات البحرية، وإنما وضع خط واضح بين الاستغلال العقلاني والاستنزاف المقنع بلغة تقنية. خمسة أطنان قد تبدو في الورق مجرد حصة محددة، لكنها عندما ترتبط بتقديرات مالية تتراوح بين خمسة مليارات وعشرين مليار سنتيم، تصبح المسألة أكبر بكثير من مجرد رقم إداري. إنها ثروة حقيقية قد تتحول إلى إغراء حقيقي، خصوصاً عندما يكون المنتج نادراً وبطيء النمو.
ولذلك فإن الجرد العلمي المستقل، وتحديد مناطق ممنوعة من الصيد، ومراقبة فعلية في البحر، ونشر المعطيات للرأي العام، كلها إجراءات أكثر أهمية من مجرد الاطمئنان إلى وجود سقف رقمي في القرار. فحين تكون قيمة المورد مرتفعة، يصبح سقف الاستغلال على الورق أقل أهمية من القدرة على مراقبة ما يحدث فعلياً تحت الماء.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع: هل نحن أمام منتزه وطني للحفاظ على الثروة البحرية، أم أمام منتزه وطني للحفاظ عليها مع نافذة خاصة لمن يريد الوصول إلى الثروة الموجودة في القاع؟ لأن المحمية لا تُقاس فقط بعدد اللافتات التي تحمل اسم الحماية، وإنما بقدرتها الفعلية على منع الاستنزاف حين تصبح الثروة مغرية.
فالخمسة أطنان ليست مجرد خمسة أطنان. إنها ثروة بيولوجية بطيئة النمو قد تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد ما يُقتلع منها. وإذا صحت التقديرات التي تضع قيمتها بين خمسة مليارات وعشرين مليار سنتيم، فإن السؤال يصبح أكثر بساطة: هل تستحق الخزينة البحرية كل هذا الاندفاع، أم أن الثروة الحقيقية هي أن يبقى جزء معتبر منها في مكانه؟
الخمسة أطنان قد تتحول إلى أرقام لامعة في دفاتر الحسابات، وإلى مداخيل وأرباح وصفقات، وربما إلى حفلة انتصار فوق الماء لمن يرى في قاع الحسيمة خزينةً بلا حارس. لكن إذا كان الثمن هو إنهاك مخزون طبيعي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستعيد عافيته، فالفاتورة الحقيقية لن يدفعها الغطاس ولا السفينة، بل البيئة البحرية وأبناء المنطقة الذين قد يجدون أنفسهم أمام تبعات استنزاف لا يمكن إصلاحه بقرار إداري جديد.
ووفق المعطيات المتداولة حول هذا الملف، فإن منير الدراز، الذي يصفه البعض بـ”پاطرون الصفقة”، قد يجد نفسه أمام سؤال بسيط جداً: ماذا سنفعل غداً عندما ينتهي المرجان، وتنتهي معه الغنيمة؟
حينها لن تنفع حسابات الكيلوغرامات ولا لغة الأرقام، لأن البحر لا يملك صندوقاً لتعويض ما اقتُلع منه. وربما يأتي يوم ينزل فيه الكومندو إلى القاع بكل عدته وعتاده، فيبحث عن الذهب الأحمر فلا يجد إلا الصخور وآثار ما جرى، فيكتشف الجميع أن المهمة نجحت باقتدار… فقد تم اقتلاع المرجان، وإنقاذ الحسابات، وتصفير القاع!
وعندها فقط قد نفهم أن أخطر ما في القصة ليس أن المرجان الأحمر خرج من البحر، بل أن بعض العقول تبدو وكأنها تريد استخراج آخر قطرة من الغنيمة قبل أن تتذكر أن المحمية وُجدت أصلاً لحماية ما لا يمكن إعادته بمجرد توقيع قرار إداري. باختصار: الكومندو قد يعود محمّلاً بالغنائم، لكن البحر قد يعود خالي الوفاض… وهذه المرة لن يكون هناك غطاس ثالث لإنقاذه!
04/09/2026