في مشهد لافت، استبقت السلطات التايلاندية وصول نحو 5 آلاف من أفراد البحرية ومشاة البحرية الأمريكية إلى مدينة باتايا، المعروفة بلقب “مدينة الخطيئة”، بإطلاق حملة أمنية واسعة استهدفت شبكات الدعارة، وسط مخاوف من تداعيات الزيارة على الحياة الليلية في واحدة من أشهر الوجهات السياحية في البلاد.
وشددت الشرطة التايلاندية إجراءاتها الأمنية في محيط الواجهة البحرية الرئيسية ومناطق الحياة الليلية في باتايا، بالتزامن مع وصول الجنود الأمريكيين الذين أمضوا 286 يوما بشكل متواصل في البحر على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، في مدة قياسية بالنسبة إلى أفراد البحرية الأمريكية، وفق ما أورده تقرير مونت كارلو الدولية.
وقبيل وصول العسكريين، نفذت السلطات خلال عطلة نهاية الأسبوع سلسلة مداهمات أسفرت عن توقيف ما بين 40 و50 شخصا، للاشتباه في تورطهم في أنشطة مرتبطة بالدعارة، فيما جرى تعزيز الدوريات الأمنية في المناطق التي تشهد عادة نشاطا مكثفا خلال ساعات الليل.
وتأتي هذه الحملة في وقت تعيش فيه باتايا مفارقة واضحة، إذ إن الدعارة غير قانونية بموجب القانون التايلاندي، لكنها في المقابل ظاهرة علنية في عدد من المراكز السياحية الكبرى، وعلى رأسها بانكوك وباتايا، حيث تحولت صناعة الترفيه المرتبطة بالجنس إلى جزء معروف من المشهد السياحي للمدينة.
وفي المقابل، ينظر عدد من المسؤولين المحليين إلى وصول العسكريين الأمريكيين باعتباره فرصة لإنعاش الاقتصاد المحلي، إذ توقع عمدة باتايا، بوراماسي نغامبيتشيش، أن ينفق كل جندي أمريكي ما بين ألف و3 آلاف بات يوميا، أي ما يعادل نحو 30 إلى 91 دولارا، وهو ما قد يوفر دفعة مالية مهمة للفنادق والمطاعم والمتاجر والأنشطة السياحية.
غير أن هذه التدفقات المالية تحمل معها أيضا جانبا أكثر إثارة للجدل، في ظل المكانة التي تحتلها باتايا على خريطة السياحة الجنسية العالمية. فقد سبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن وصف المدينة، قبل نحو عقد من الزمن، بأنها “واحدة من أبرز وجهات السياحة الجنسية في العالم”.
ويحذر أكاديمي في جامعة بانكوك من أن تدفق أعداد كبيرة من الزبائن بالتزامن مع وصول الجنود الأمريكيين قد يؤدي إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالصحة والسلامة، فضلا عن احتمال ارتفاع حالات الاستغلال الجنسي وانتشار الأمراض المنقولة جنسيا.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر بالنظر إلى الظروف الاستثنائية التي عاشها أفراد الطاقم الأمريكي خلال الأشهر الماضية، بعدما ظلوا على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” لفترة طويلة في البحر، في سياق التوترات والحرب مع إيران، وسط تقارير سابقة تحدثت عن ضغوط حادة على الصحة النفسية للجنود، إضافة إلى الأعطال التي شهدتها الحاملة.
وبينما تراهن باتايا على إنفاق آلاف العسكريين لإنعاش اقتصادها، تبدو السلطات أمام مهمة دقيقة تتمثل في محاولة ضبط الوجه الأكثر إثارة للجدل في المدينة قبل أن تتحول الزيارة العسكرية إلى مناسبة لتوسيع نشاط صناعة الجنس. وبين القانون الذي يجرّم الدعارة والواقع السياحي الذي جعلها ظاهرة علنية، تحاول الشرطة فرض معادلة صعبة: الاستفادة من تدفق الأموال الأمريكية، من دون السماح بتحول المدينة إلى ساحة مفتوحة للفوضى والاستغلال.
وهكذا، فإن وصول آلاف الجنود الأمريكيين إلى باتايا لا يمثل مجرد محطة ترفيهية بعد أشهر طويلة في البحر، بل يضع “مدينة الخطيئة” أمام اختبار حقيقي؛ فكلما تدفقت الأموال والسياح والجنود، ارتفعت في المقابل الأسئلة حول الأمن والاستغلال والصحة العامة، لتجد السلطات نفسها مطالبة بمنع أن تتحول الطفرة الاقتصادية المنتظرة إلى ثمن اجتماعي باهظ.
04/09/2026