kawalisrif@hotmail.com

سبتة ومليلية المحتلتان.. مدريد تتشبث بالماضي والرباط ترفع سقف المطالبة: حين تصبح “الشراكة” غطاءً لنزاع لم يُحسم

سبتة ومليلية المحتلتان.. مدريد تتشبث بالماضي والرباط ترفع سقف المطالبة: حين تصبح “الشراكة” غطاءً لنزاع لم يُحسم

مرة أخرى، تعود سبتة ومليلية المحتلتان إلى واجهة المشهد السياسي بين المغرب وإسبانيا، لكن هذه المرة من بوابة تصريحات متتالية لمسؤولين مغاربة أعادوا التأكيد على أن ملف المدينتين لم يُغلق، وأن مطلب استرجاعهما لا يزال حاضراً في أجندة الرباط، رغم كل مظاهر التقارب التي طبعت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن هناك من كان يتمنى، ربما، أن تؤدي كثرة الاجتماعات والابتسامات الدبلوماسية إلى اختفاء الجغرافيا من الخريطة.

صحيفة إسبانية حاولت تقديم هذه التصريحات ضمن سردية صدامية، متحدثة عن “هجوم دبلوماسي” مغربي وعن إصرار الرباط على المطالبة بسبتة ومليلية، قبل أن تنقل عن وزير التجهيز والماء نزار بركة قوله إن إسبانيا “شريك أساسي” للمغرب، لكن المملكة “لن تتراجع شبراً واحداً عن ترابها الوطني”. تصريح واضح في مضمونه، وإن كان يبدو أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية تفضل سماع كلمة “شريك” وتضع السماعات على أذنيها عندما تصل الجملة إلى “التراب الوطني”.

والمفارقة التي تكشفها هذه القضية أن مدريد تريد من الرباط أن تكون شريكاً استراتيجياً في الأمن والهجرة والتجارة والطاقة وتنظيم كأس العالم 2030، وأن تتعاون معها في حماية الحدود ومكافحة الجريمة والهجرة غير النظامية، لكنها في الوقت نفسه تريد إبقاء ملف سبتة ومليلية خارج دائرة النقاش، وكأن الشراكة السياسية يمكن أن تكون قائمة على قاعدة بسيطة جداً: نتحدث في كل شيء، لكن ليس في الشيء الذي لا يعجبنا.

والأكثر إثارة أن تصريحات المسؤولين المغاربة لم تأتِ من فراغ. فقد سبق لوزير العدل عبد اللطيف وهبي أن أكد، في غشت الماضي، أن قضية سبتة ومليلية “لا تزال مطروحة على الطاولة”، وأن المغرب “متشبث بأرضه”، مع التشديد على أن الحل ينبغي أن يمر عبر الحوار. كما دخل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق على خط القضية بخطاب أكثر حساسية، حين تحدث عن “تحرير المدن المحتلة”.

وهنا تحديداً تتضح المفارقة التي تزعج مدريد: فالمغرب لا يطالب اليوم بقطع العلاقات مع إسبانيا، ولا يدعو إلى مواجهة عسكرية، ولا يربط التعاون الاقتصادي والأمني بضرورة التخلي الفوري عن المدينتين، وإنما يكرر موقفاً سياسياً تاريخياً يعتبر سبتة ومليلية جزءاً من مجاله الترابي، ويدعو إلى تسوية الملف عبر الحوار. أي أن الرباط، وفق هذا الخطاب، تريد الحوار، بينما يبدو أن المطلوب منها أولاً أن تتوقف عن الحديث عن الموضوع حتى يبدأ الحوار.

أما إسبانيا، فتبدو وكأنها تريد تجميد الزمن. فهي تتمسك برواية تعتبر المدينتين جزءاً لا يتجزأ من التراب الإسباني، وتستند في ذلك إلى وجود إسباني طويل يعود إلى ما قبل قيام الدولة المغربية الحديثة بصيغتها الحالية. غير أن التاريخ، كما هو معروف، ليس جهاز تحكم عن بعد يمكن إيقافه عند اللحظة التي تناسب رواية سياسية معينة.

والأغرب من ذلك أن الخطاب الإسباني كثيراً ما يتعامل مع مجرد إثارة المغرب للملف وكأنه اعتداء دبلوماسي، بينما تُقدَّم المطالبة المغربية في الخطاب الرسمي والإعلامي الإسباني باعتبارها نوعاً من “التهديد”. وكأن مجرد نطق الرباط باسم المدينتين أصبح فعلاً دبلوماسياً يستدعي حالة تأهب، فيما يبدو أن أفضل طريقة لتهدئة الأجواء هي ببساطة ألا يتحدث المغرب عن الموضوع.

ثم هناك سؤال آخر أكثر إحراجاً: إذا كانت العلاقات المغربية الإسبانية قد دخلت فعلاً مرحلة “الصداقة والشراكة الاستراتيجية”، فلماذا تتحول سبتة ومليلية في كل مرة إلى منطقة محرمة سياسياً؟ ولماذا يصبح مجرد الحديث عن مستقبل المدينتين كافياً لإثارة كل هذا القلق في مدريد؟ هل أصبحت “الشراكة الاستراتيجية” تعني أن هناك قائمة طويلة من الملفات المشتركة، مع نجمة صغيرة في الأسفل تقول: “باستثناء هذا الملف طبعاً”؟

لقد تغيرت المنطقة، وتغيرت موازين المصالح، ولم تعد العلاقات المغربية الإسبانية مجرد ملف ثنائي محدود. فالمغرب أصبح لاعباً اقتصادياً وأمنياً إقليمياً أكثر حضوراً، وإسبانيا تعرف جيداً أن استقرار حدودها الجنوبية يمر بدرجة كبيرة عبر التعاون مع الرباط. وفي المقابل، يعرف المغرب أن العلاقات مع إسبانيا مهمة اقتصادياً وسياسياً، لكنه لا يرى في ذلك سبباً للتخلي عن الملفات التي يعتبرها مرتبطة بسيادته الوطنية.

واللافت أن الصحافة الإسبانية نفسها تكشف، من دون أن تقصد، حجم التناقض. فهي تتحدث عن وزراء مغاربة يطالبون بسبتة ومليلية، ثم تشير في الوقت نفسه إلى اجتماعات مغربية إسبانية مكثفة استعداداً لتنظيم مونديال 2030، وإلى علاقات عمل وثيقة بين مسؤولين من البلدين. أي أن المسؤولين يجلسون حول الطاولة للتخطيط لمستقبل مشترك، بينما يوجد تحت الطاولة ملف يصر الجميع على عدم رؤيته.

حتى ملف كأس العالم 2030 يدخل أحياناً في هذه المعادلة. فالمغرب وإسبانيا والبرتغال شركاء في تنظيم أكبر تظاهرة كروية عالمية، بينما تتنافس العواصم الثلاث على رمزية المباريات الكبرى والنهائي. وبينما تتحرك المصالح الرياضية والاقتصادية في فضاء مشترك، يظل ملف سبتة ومليلية حاضراً كحجر ثقيل تحت طاولة العلاقات، حجر يبدو أن الجميع يراه، لكن لا أحد يريد أن يسأل من وضعه هناك.

المشكلة الحقيقية ليست في أن المغرب يذكّر بموقفه، ولا في أن إسبانيا تكرر موقفها المضاد. المشكلة في محاولة تصوير هذا الخلاف وكأنه اكتشاف جديد أو “هجوم” مفاجئ. فقضية سبتة ومليلية عمرها عقود، ولم تختفِ لمجرد أن الرباط ومدريد وقعتا اتفاقات للتعاون أو نسجتا علاقات اقتصادية واسعة. فالملفات السيادية، لسوء حظ الدبلوماسية، لا تختفي بمجرد وضعها في درج مغلق.

بل إن محاولة دفن الملف تحت سجادة “الشراكة الاستراتيجية” قد تكون أكثر خطراً من الاعتراف بوجوده ومناقشته بهدوء. فالملفات التاريخية والسيادية لا تختفي بالتجاهل، وإنما تعود إلى الواجهة كلما تغيرت الظروف السياسية أو الإقليمية. وربما المشكلة أن السجادة الدبلوماسية، مهما كانت فاخرة، لا تكفي لتغطية ملف بهذا الحجم.

ومن منظور مغربي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يطالب المغرب بسبتة ومليلية؟ بل أيضاً: لماذا تفترض إسبانيا أن هذا المطلب يجب أن يختفي حتى تصبح العلاقات طبيعية؟ وهل المطلوب من المغرب أن يثبت حسن نواياه تجاه إسبانيا عبر الصمت عن قضية يعتبرها مرتبطة بترابه الوطني؟

قد تختلف الرباط ومدريد حول التاريخ والقانون والسيادة، وقد يستمر الخلاف لعقود أخرى، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المدينتين تقعان جغرافياً على الساحل المغربي، وأنهما تمثلان بقايا واقع استعماري شديد الحساسية في الذاكرة السياسية المغربية. ولذلك فإن محاولة اختزال القضية في عبارات من قبيل “الطموح المغربي” أو “مشروع المغرب الكبير” لا تقدم جواباً عن جوهر النزاع، بل تحاول في كثير من الأحيان تحويل النقاش من سؤال سياسي وتاريخي إلى تهمة جاهزة.

وفي النهاية، يمكن لمدريد أن ترفع الأسوار، وأن تعزز حضورها الأمني، وأن تكرر أن سبتة ومليلية “إسبانيتان”، كما يمكن للرباط أن تكرر أن المدينتين جزء من ترابها الوطني. لكن الجغرافيا لا تتغير بالبيانات، والتاريخ لا يُمحى بالتصريحات، والقضايا السيادية لا تموت لأنها أصبحت مزعجة للدبلوماسية. وحتى لو حاول البعض التعامل معها باعتبارها ملفاً قديماً ينبغي تركه في الأرشيف، فإن الأرشيف نفسه، في بعض الأحيان، لديه عادة مزعجة: إعادة فتح الملفات.

وربما لهذا السبب تحديداً يظل ملف سبتة ومليلية واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الرباط ومدريد: شراكة استراتيجية فوق الطاولة، وملف سيادي مفتوح تحتها. وبينما تتبادل العاصمتان المصالح والابتسامات وتستعدان لمونديال 2030، يبقى السؤال الذي لا يريد أحد الاقتراب منه: إلى متى يمكن بناء شراكة مستقبلية كاملة فوق قضية سيادية لم يُتفق حتى الآن على كيفية إنهائها؟ أم أن الخطة هي الاستمرار في تنظيم الاجتماعات، وتبادل عبارات الصداقة، والتقاط الصور الجماعية، على أمل أن يقرر ملف سبتة ومليلية ذات يوم أن يحل نفسه بنفسه؟

04/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts