ما إن بدأت أجواء الاحتفالات والفرجة تخفت في مليلية المحتلة، حتى تتحول نهاية “أسبوع الملاهي” إلى موعد أمني بامتياز، بعدما قررت السلطات الإسبانية تشديد قبضتها على الميناء، تحسباً لمحاولات تسلل مهاجرين إلى العبّارات المتجهة نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، مستغلين حركة الشاحنات والمقطورات وتجهيزات الملاهي التي تستعد لمغادرة المدينة بعد انتهاء الاحتفالات.
وبحسب المعطيات الواردة، فإن الحرس المدني والشرطة الوطنية الإسبانية سيعززان، ابتداءً من فجر الأحد 7 شتنبر وإلى غاية 9 منه، الإجراءات الأمنية في ميناء مليلية المحتلة، ضمن ما يعرف بـ”عملية فيريا 2026″، وهي عملية تتكرر مع نهاية الاحتفالات وعودة أصحاب الملاهي وتجهيزاتهم إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
المفارقة أن ما يفترض أن يكون مجرد نهاية لأيام من الألعاب والأضواء والاحتفالات، يتحول في مليلية المحتلة إلى ما يشبه “موسم التفتيش الكبير”، حيث ستخضع الشاحنات والمقطورات وهياكل الألعاب لتدقيق أمني مكثف، بعدما أصبحت بعض هذه التجهيزات، وفق المخاوف الأمنية الإسبانية، مرشحة لأن تتحول من وسيلة لنقل ألعاب الملاهي إلى وسيلة نقل سرية نحو الضفة الأخرى.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق صيف اتسم بتصاعد الضغط المرتبط بالهجرة إلى باقي التراب الوطني في المدينتين المحتلتين، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية الإسبانية إلى رفع درجة التأهب، خصوصاً في الميناء الذي يمثل إحدى أهم البوابات البحرية التي تربط مليلية المحتلة بموانئ مالقة وألميريا وموتريل.
ووفق المصدر ذاته، فإن العملية لن تبدأ عند بوابات الميناء فقط، بل ستنطلق من أرض المعارض، حيث ستخضع مركبات وتجهيزات أصحاب الملاهي لعمليات تفتيش قبل مغادرتها باتجاه المحطة البحرية، قبل أن تتم مواكبتها ومرافقتها أمنياً إلى غاية وصولها إلى الميناء ودخولها المناطق المقيدة.
وهنا تبدأ “الرحلة الأمنية” الحقيقية؛ فكل شاحنة أو مقطورة أو هيكل لعبة قد يخضع للتفتيش بحثاً عن أشخاص اختاروا، بدل شراء تذكرة عبور، البحث عن مكان ضيق داخل شاحنة أو خلف إحدى تجهيزات الملاهي، على أمل الوصول إلى الضفة الأوروبية بعيداً عن أعين عناصر الأمن.
وسيتولى الحرس المدني الجزء الأكبر من عمليات المراقبة داخل المنطقة المينائية، باعتبارها منطقة مقيدة تخضع لاختصاصاته الأمنية، حيث ستشمل عمليات التفتيش الشاحنات والمقطورات وتجهيزات الملاهي، مع التركيز على الأماكن التي يمكن أن توفر مخبأً للأشخاص الراغبين في الصعود سراً إلى العبّارات.
ولرفع مستوى “البحث عن المتسللين قبل أن يختفوا”، ستدخل الكلاب البوليسية المتخصصة على الخط، إلى جانب فرق التفتيش والمراقبة، فيما سيستخدم عناصر الأمن وسائل تقنية محمولة تساعد على كشف الأشخاص المختبئين داخل المركبات أو في الهياكل والأجزاء المغلقة لتجهيزات الملاهي.
ولأن البحر أيضاً لا يمكن تركه خارج الحسابات، ستنتشر وحدة بحرية تابعة للحرس المدني في محيط الميناء لمراقبة المجال المائي، ومنع أي محاولة للاقتراب من السفن بطريقة غير قانونية أثناء عمليات الصعود والتحميل.
أما السماء، فسيكون لها نصيبها من الاستنفار، من خلال الطائرات المسيّرة التي ستستخدم لتوسيع نطاق المراقبة ورصد مداخل الميناء ومحيطه، ومتابعة المناطق التي قد تستغل للوصول إلى الأماكن المحظورة.
وبذلك، لن يكون المتسلل المحتمل أمام مهمة سهلة؛ فهناك الحرس المدني على الأرض، والشرطة الوطنية، والكلاب البوليسية، والزوارق في البحر، والطائرات المسيّرة في السماء، ووسائل تقنية للبحث داخل الأماكن المغلقة… وكأن مليلية المحتلة قررت، بمناسبة نهاية “أسبوع الملاهي”، أن تمنح المهاجرين المحتملين عرضاً أمنياً مجانياً أكثر إثارة من ألعاب الملاهي نفسها.
وستشارك الشرطة الوطنية الإسبانية بدورها في تعزيز هذا الانتشار، عبر وحدات الكلاب البوليسية ووحدة الوقاية والتدخل، إضافة إلى وسائل جوية تعتمد على الطائرات المسيّرة، لتكتمل بذلك منظومة المراقبة التي تهدف إلى قطع الطريق أمام أي محاولة للتسلل إلى العبّارات.
وتراهن الأجهزة الأمنية الإسبانية على تنسيق متواصل بين مختلف الوحدات، يبدأ منذ لحظة خروج تجهيزات الملاهي من أرض المعارض ولا ينتهي إلا بعد تحميلها على متن السفن المتجهة إلى شبه الجزيرة الإسبانية، في محاولة لمنع استغلال أي ثغرة زمنية أو مكانية في هذا المسار.
وتكتسب العملية أهمية خاصة بسبب العدد الكبير من الشاحنات والمقطورات وتجهيزات الملاهي التي تغادر مليلية المحتلة دفعة واحدة بعد انتهاء الاحتفالات، وهو ما تعتبره السلطات الإسبانية ظرفاً مناسباً لمحاولات الاختباء والتسلل.
وهكذا، تتحول “فيريا” مليلية المحتلة، التي يفترض أن تكون مناسبة للفرجة والاحتفال والألعاب، إلى أسبوع آخر من نوع مختلف تماماً؛ أسبوع تتقدم فيه الكلاب البوليسية والطائرات المسيّرة والزوارق الأمنية على الأضواء والموسيقى، وتتحول فيه شاحنات الملاهي إلى أهداف للتفتيش من كل جانب.
وبينما يغادر أصحاب الملاهي المدينة محملين بتجهيزاتهم استعداداً للعودة إلى شبه الجزيرة، ستبقى أعين الأمن الإسباني معلقة بكل صندوق ومقطورة وهيكل لعبة، خشية أن تكون “اللعبة الأخيرة” في موسم مليلية ليست على منصة الملاهي، بل محاولة تسلل سرية نحو العبّارة.
لكن المشهد الأكثر إثارة يبدأ بعد انطفاء آخر الأضواء؛ فحين تفكك الألعاب وتغادر عربات الملاهي، لا ينتهي العرض بالنسبة للأجهزة الأمنية، بل يبدأ عرض آخر أكثر توتراً: كل شاحنة تصبح موضع شك، وكل مقطورة قد تخفي مفاجأة، وكل زاوية مظلمة قد تتحول في لحظة إلى نقطة عبور نحو المجهول.
وهكذا، فإن “أسبوع الملاهي” في مليلية المحتلة قد ينتهي بالنسبة للزوار مع آخر لعبة وآخر مقطع موسيقي، لكنه بالنسبة للأمن الإسباني يتحول إلى سباق مع الزمن، عنوانه البحث والتفتيش والمراقبة. وبين ضجيج محركات الشاحنات وصافرات الإنذار وأضواء الطائرات المسيّرة، يصبح الميناء مسرحاً لمواجهة صامتة: من جهة، أجهزة أمنية تحاول إغلاق كل المنافذ؛ ومن جهة أخرى، مهاجرون محتملون يرون في كل منفذ ضيق فرصة للخروج من واقع مغلق.
وفي تلك اللحظات، لا تعود المسألة مجرد شاحنة أو مقطورة أو لعبة ملاهٍ تغادر المدينة، بل تصبح كل واحدة منها احتمالاً لرحلة محفوفة بالمخاطر. وبينما تطوي “فيريا” آخر صفحاتها وتعود الأضواء إلى الخفوت، يبقى ميناء مليلية المحتلة في حالة ترقب، وكأن المدينة التي احتفلت طوال أيام بالألعاب والفرجة تستعد الآن لمشهد مختلف تماماً.
مشهد لا موسيقى فيه ولا أضواء ملونة، بل محركات شاحنات، كلاب بوليسية، طائرات مسيّرة، زوارق أمنية وعيون تراقب كل حركة. وفي هذا المسرح البحري المحاصر، قد يتحول آخر صندوق في شاحنة، أو آخر فراغ خلف هيكل لعبة، إلى الحد الفاصل بين من يغادر المدينة بشكل قانوني ومن يحاول العبور خلسة نحو الضفة الأخرى.
وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر: عندما تنتهي “فيريا”، لا تنتهي الحكاية، بل يبدأ فصلها الأكثر توتراً. فبينما يعتقد الجميع أن آخر لعبة قد توقفت، قد تكون “اللعبة الأخيرة” قد بدأت بالفعل… ولكن هذه المرة بعيداً عن الأضواء، وفي عتمة الميناء، حيث لا توجد تذاكر ولا مقاعد ولا جمهور، وإنما مخاطرة واحدة قد تنتهي بعبّارة تعبر نحو الضفة الأخرى… أو بأبواب تُغلق قبل أن تبدأ الرحلة.
04/09/2026