في تطور جديد يضيف فصلاً مثيراً إلى العلاقات المتوترة بين الجزائر وإسبانيا، أفرجت السلطات الإسبانية عن رجل الأعمال والإعلامي الجزائري أيوب عيسيو، الذي كان قد اعتُقل في مطار برشلونة يوم 25 يوليوز الماضي، بعد وصوله من المغرب، وذلك قبل أيام قليلة من اندلاع أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز.
وتوقيف عيسيو لم يكن عادياً، إذ جاء بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن السلطات الجزائرية، في إطار مسطرة تسليم قضائي وضعت الرجل في قلب ملف حساس تتداخل فيه الاعتبارات القضائية والسياسية والدبلوماسية. غير أن المفارقة أن الرجل الذي أرادت الجزائر أن تستعيده عبر المساطر القضائية، انتهى به الأمر خارج السجن الإسباني، في تطور قد لا يكون بالضبط السيناريو الذي كانت تنتظره الجزائر.
وكان القضاء الإسباني ينظر في طلب تسليمه إلى الجزائر، فيما ظلت هيئة دفاعه تطعن في طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، معتبرة أن القضية تحمل أبعاداً سياسية. وهنا تبدأ الحكاية في اتخاذ منحى أكثر تعقيداً، خصوصاً أن اسم عيسيو عاد إلى الواجهة بعد الإفراج عنه، في وقت تواصل فيه الجزائر ومدريد إدارة ملفات شائكة تمتد من العلاقات السياسية إلى قضايا الهجرة والأمن.
وتزداد حساسية القضية بسبب التوقيت. فقد وصل عيسيو إلى مطار برشلونة قادماً من الدار البيضاء يوم 25 يوليوز، أي قبل خمسة أيام تقريباً من أزمة سبتة. وهذا التزامن جعل رحلته الأخيرة إلى المغرب تحظى باهتمام بعض الأوساط الإعلامية الإسبانية، رغم عدم وجود أي دليل يثبت وجود علاقة مباشرة بين زيارة عيسيو للمغرب والأحداث التي شهدتها المدينة المحتلة.
وبمعنى آخر، فإن مجرد تزامن التاريخين لا يسمح بتحويل الرحلة إلى “لغز مغربي” جاهز للتصدير، ولا يجعل الدار البيضاء تلقائياً محطة في رواية لم تثبت تفاصيلها. فالوقائع شيء، والتأويلات السياسية شيء آخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف جزائري شديد الحساسية.
وكان رجل الأعمال الجزائري قد ظل رهن الاعتقال الاحتياطي منذ توقيفه، في انتظار حسم القضاء الإسباني في طلب التسليم الذي تقدمت به الجزائر. وبحسب المعطيات المنشورة، تتهمه السلطات الجزائرية بقضايا ذات طابع مالي واقتصادي، بينما تؤكد هيئة دفاعه وجود تناقضات في الملف، وتدفع بأن ملاحقته مرتبطة أيضاً بمواقفه المعارضة ونشاطه الإعلامي السابق.
ويحمل عيسيو اسماً معروفاً في المشهد الإعلامي والاقتصادي الجزائري، إذ ارتبط اسمه بقناة “الجزائرية وان” التي كان يملكها، قبل أن تغلقها السلطات الجزائرية سنة 2021. كما عاش خارج الجزائر، خصوصاً في فرنسا، حيث تقدم بطلب للجوء، قبل أن ينتقل إلى إسبانيا في سياق ظروف أمنية وعائلية أثارت بدورها جدلاً واسعاً.
القضية لم تبقَ إذاً داخل جدران المحاكم الإسبانية، بل بدأت تتحول إلى ملف سياسي بامتياز، بعدما دخلت شخصيات فرنسية معروفة على الخط. فقد طالب رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس بالإفراج عن عيسيو، داعياً إسبانيا إلى عدم تسليمه إلى الجزائر، في وقت كانت فيه المحكمة الوطنية الإسبانية تنظر في ملف التسليم.
كما حظي عيسيو بدعم مجموعة من المثقفين الفرنسيين، الذين وجهوا نداءً إلى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمطالبة بعدم تسليمه إلى الجزائر، معتبرين أن الملف يثير مخاوف تتعلق بحقوقه وحريته.
وهنا تبدو الجزائر أمام مفارقة لا تخلو من السخرية السياسية: مذكرة توقيف تعبر الحدود، وقضية تصل إلى مدريد، وضغوط ونداءات في باريس، وفي النهاية يجد المعني بالأمر نفسه خارج السجن الإسباني. وكأن ملف التسليم الذي بدأ كإجراء قضائي بسيط قرر أن يأخذ جولة سياحية في العواصم الأوروبية قبل أن يعود إلى نقطة الصفر.
ويأتي الإفراج عن عيسيو في وقت تشهد فيه العلاقات الإسبانية الجزائرية مرحلة دقيقة، خصوصاً بعد استئناف الاتصالات السياسية بين مدريد والجزائر. وكانت قضية الرجل قد تحولت إلى مصدر توتر جديد، بعدما اتهمت هيئة دفاعه السلطات الجزائرية بممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية من أجل ضمان تسليمه.
أما ارتباط اسم عيسيو بالمغرب، فيبقى أكثر عناصر القصة إثارة للانتباه، ليس فقط بسبب وصوله من الدار البيضاء إلى برشلونة، وإنما بسبب وقوع توقيفه قبل أيام قليلة من أزمة سبتة. غير أن هذا التزامن الزمني لا يشكل دليلاً على وجود أي صلة بين زيارته للمغرب وأحداث سبتة، وبالتالي فإن أي محاولة لبناء رواية كاملة على مجرد تزامن التواريخ ستبقى أقرب إلى الاستنتاج السياسي منها إلى الحقيقة المثبتة.
ومع ذلك، فإن الملف يكشف مرة أخرى كيف يمكن لاسم شخص واحد أن يتحول، في ظرف وجيز، إلى نقطة تقاطع بين الجزائر وإسبانيا وفرنسا والمغرب، في منطقة لا تحتاج أصلاً إلى كثير من الشرارة حتى تتحول قضية قضائية إلى سجال دبلوماسي.
وهكذا، يجد ملف عيسيو نفسه عند تقاطع ثلاث قضايا شديدة الحساسية: نزاع قضائي بين الجزائر وأحد رجال أعمالها المعارضين، وتوتر في العلاقات الجزائرية الإسبانية، ثم عودة سبتة المحتلة إلى واجهة الأحداث بعد أزمة الهجرة الأخيرة. وبينما أغلقت إسبانيا باب السجن أمام عيسيو، ولو مؤقتاً، فإن الجزائر تبدو أمام ملف لم تنجح مذكرتها القضائية في إغلاقه كما كان متوقعاً.
والأهم أن الإفراج عنه لا يعني بالضرورة نهاية القضية، بل قد يكون بداية فصل جديد في معركة قانونية وسياسية ستبقى أنظار مدريد والجزائر ووسائل الإعلام تتابع تفاصيلها. أما المغرب، الذي وجد نفسه في قلب القصة فقط لأن الرجل مرّ عبر الدار البيضاء قبل أيام من أزمة سبتة، فيبدو حتى الآن مجرد محطة في التسلسل الزمني للأحداث، لا دليلاً على أي سيناريو لم تثبته المعطيات المتاحة.
وفي النهاية، قد تكون المفارقة الأبرز أن الجزائر أرادت أن تجعل من مذكرة التوقيف طريقاً لاستعادة رجل أعمال، فإذا بالملف يتحول إلى قضية تتداولها مدريد وباريس، بينما يبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت رحلة الدار البيضاء مجرد محطة عابرة في سفر عيسيو، أم أن توقيتها سيظل مادة دسمة للتأويل السياسي؟ حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة، وكل ما عدا ذلك يبقى في خانة الروايات التي تحب السياسة الجزائرية والإسبانية كثيراً أن تتغذى عليها.
05/09/2026