kawalisrif@hotmail.com

ذاكرة مستباحة وتاريخ مؤجل:       قراءة نقدية في جذور الخطاب الاستعماري المعاصر ضد المغاربة

ذاكرة مستباحة وتاريخ مؤجل: قراءة نقدية في جذور الخطاب الاستعماري المعاصر ضد المغاربة

تثير العودة المتكررة لبعض الدوائر السياسية والفكرية في إسبانيا، لا سيما تلك المحسوبة على اليسار والجمهورية، لربط ملف الهجرة والحدود بصدمات الماضي التاريخي، تساؤلات عميقة حول مدى نضج الذاكرة الإسبانية تجاه مستعمراتها القديمة. وفي هذا السياق، يأتي صوت الكاتب والباحث ذي الأصول الريفية، الدكتور امحمد لشقر، ليضع الإصبع على الجرح، مفككاً في مقال جريء ومؤثر ما يصفه بـ”التحاملات القديمة والمتجددة” ضد المغاربة.

المقال، الذي يعيد طرح الأسئلة المسكوت عنها حول أحداث سبتة والذكرى التسعين للحرب الأهلية الإسبانية (1936)، لا يقتصر على كونه مرافعة دفاعية، بل هو محاكمة صريحة لقصور الذاكرة الديمقراطية الإسبانية في التعاطي مع إرثها الاستعماري في منطقة الريف.

تنطلق صرخة لشقر، الذي وثق هذه المشاركة في كتاب نشر عام 2018 استناداً إلى تجربة عائلية خاصة، حيث شارك جده في تلك الحرب، من دهشة ومشروعية غاضبة حيال إصرار بعض النخب السياسية والأكاديمية الإسبانية على مقارنة التدفقات البشرية المعاصرة نحو سبتة بما جرى عام 1936، وإسباغ صفة «الغزو» على وصول الآلاف من أبناء الريف قسراً إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

هنا يسقط الكاتب السردية الشعبوية السائدة، مذكراً بحقيقة تاريخية ثابتة: الريفيون لم يكونوا يوماً جيش غزاة، بل كانوا بشراً جُندوا بالقوة العسكرية واستُغلوا كـ«وقود حروب» في صراع إسباني داخلي لم يكن يعنيهم من قريب أو بعيد. لقد واجه هؤلاء مساراً مأساوياً مزدوجاً؛ استعمار أُريد له طمس هويتهم، تلاه توظيف مهين كأدوات قتال، لينتهي بهم المطاف في خانة المنسيين أو، الأسوأ من ذلك، المتهمين بجرائم لم يقترفوا أصلها.

ولا يقف لشقر عند حدود إدانة الفرانكوية، بل يوجّه نقداً لاذعاً ومباشراً لتلك القطاعات من اليسار والجمهوريين الإسبان الذين يعتقدون أن شعاراتهم التقدمية تعفيهم من واجب النقد الذاتي. فالجمهورية الإسبانية لعام 1931، بحسب الكاتب، لم تضع حداً للهيمنة الاستعمارية في الريف، بل استمر القمع بوتيرته. ومن هنا يطرح إشكالية كبرى مفادها: كيف يمكن بناء “ذاكرة ديمقراطية” نزيهة إذا كانت تنتقي من التاريخ ما يروق لها، متغاضية عن جرائم حرب الريف والسياسات الاستعمارية الممنهجة؟

إن استمرار هذه الثغرات في الخطاب السياسي المعاصر يؤكد، برأي الكاتب، أن الصور النمطية الاستعمارية لم تمت، بل عادت لترتدي أردية جديدة، تتخفى خلف مصطلحات أكاديمية أو جيوسياسية «محترمة»، لتعيد تدوير الخوف وتغذية خطاب الكراهية ضد المغاربة.

يختتم لشقر مقاله برسالة واضحة العناوين: التاريخ المشترك بين إسبانيا والريف ليس بحاجة إلى مزيد من المزايدات السياسية أو استدعاء الأشباح لتأجيج الصراع، بل هو بحاجة إلى شجاعة نقد الذات والاعتراف بالحقيقة كاملة.

إن محاكمة الماضي لا تهدف بالضرورة إلى نبش القبور أو إعادة فتح الجراح، بقدر ما ترمي إلى حماية الأجيال القادمة من تركة مسمومة من التحيّز والجهل. وفي عالم يعيد إنتاج أزمات الحدود واللجوء بنفس العدسات الاستعمارية القديمة، تبدو شهادة الكاتب امحمد لشقر دعوة ملحة لتفكيك العقلية الاستعمارية التي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على ضفتي المتوسط.

05/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts