في محاولة جديدة لفك خيوط ما جرى في سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، خرجت صحيفة “إل إسبانيول” برواية تريد أن تقدم اتفاقاً إسبانياً مغربياً يعود إلى سنة 1992 وكأنه اكتشاف قانوني متأخر، أو مفتاح سحري كانت مدريد تجهله ثم عثرت عليه فجأة بعد انفجار الأزمة. غير أن الرواية، بدل أن تمنح الحكومة الإسبانية شهادة براءة، تفتح عليها باباً أكثر إحراجاً: إذا كان هذا الاتفاق معروفاً وسارياً منذ أكثر من ثلاثة عقود، فأين كانت كل هذه المنظومة القانونية والأمنية عندما كانت الأزمة تقترب؟
النص، الذي لا يتجاوز صفحتين في الجريدة الرسمية الإسبانية بتاريخ 25 أبريل 1992، وقّعه فرانسيسكو فرنانديث أوردونييث، وزير الخارجية آنذاك في حكومة فيليبي غونثاليث الاشتراكية، في عهد المغفور له الملك الحسن الثاني. وبحسب الطرح الذي تقدمه الصحيفة الإسبانية، فإن الاتفاق كان يتيح طلب إعادة الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير قانوني من الأراضي المغربية، شريطة احترام الآجال والإجراءات المنصوص عليها. وهنا تحديداً تبدأ المفارقة: اتفاق عمره أكثر من ثلاثين عاماً، ومع ذلك تحتاج مدريد إلى أزمة استثنائية لكي تعيد تذكّر وجوده!
فالاتفاق ليس وثيقة سرية مدفونة في قبو وزارة الخارجية الإسبانية، ولا مخطوطة عثر عليها أحدهم بالصدفة بين أرشيفات مدريد. إنه نص معروف ومدرج ضمن الاتفاقيات السارية بين البلدين. وإذا كان يوفر، وفق الرواية الإسبانية، إطاراً قانونياً لإعادة جزء كبير من الوافدين، فإن السؤال يصبح بسيطاً ومحرجاً في الوقت نفسه: لماذا لم تكن الدولة الإسبانية مستعدة لتفعيله؟ وهل كانت المشكلة فعلاً في غياب الأدوات القانونية، أم في أن الأدوات كانت موجودة، لكن أصحابها لم يكونوا مستعدين لاستعمالها؟
والأهم أن الاتفاق لا يعني، كما تحاول بعض القراءات اختزاله، أن مدريد حصلت على “شيك على بياض” لإعادة الجميع بلا إجراءات. فالقاصرون غير المرافقين، والأشخاص في وضعيات هشّة، وطالبو اللجوء الذين يقدمون مبررات جدية، يخضعون لضمانات وإجراءات خاصة. لذلك فإن تصوير الاتفاق وكأنه زر سحري يكفي الضغط عليه لإعادة عشرات الآلاف دفعة واحدة، ليس أكثر من تبسيط صحفي مريح لتعقيد قانوني لا يختفي بمجرد رفع الصوت.
وتصبح الصورة أكثر إثارة للسخرية حين نصل إلى الاتفاق الثنائي الآخر المتعلق بالقاصرين المغاربة غير المرافقين، والذي يفترض أن يوفر آلية للتعرف على هوياتهم والبحث في أوضاعهم العائلية وترتيب إعادتهم وفق الضمانات المطلوبة. وإذا كان المقال الإسباني نفسه يشير إلى غياب أدلة على تنفيذ عمليات إعادة بموجبه منذ سنوات طويلة، فإن السؤال يفرض نفسه مرة أخرى: هل كانت الرباط هي التي أخفت الاتفاقية في مكان ما، أم أن مدريد كانت تملكها لكنها تركتها مركونة في الأدراج؟
ثم يأتي الاتحاد الأوروبي ليضيف فصلاً آخر إلى هذه الحكاية. فميثاق الهجرة واللجوء الجديد يفرض إجراءات للفرز والتحديد الأمني والصحي وتقييم أوضاع الأشخاص الأكثر هشاشة منذ وصولهم، خصوصاً في حالات الدخول غير النظامي. لكن المقال يشير إلى أن إسبانيا لم تكن قد استكملت معظم الإجراءات الأساسية في الوقت المطلوب. أي أن مدريد، التي تقدم نفسها باعتبارها دولة أوروبية تمتلك واحدة من أكثر المنظومات القانونية والأمنية تطوراً، وجدت نفسها أمام أزمة كبرى وهي لا تزال تلملم أجزاء المنظومة التي كان يفترض أن تكون جاهزة أصلاً.
والأكثر إثارة للانتباه هو التناقض داخل الخطاب الرسمي الإسباني نفسه. فبينما تحدثت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس عن تحذيرات ومؤشرات سبقت الأزمة، حاول وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا التأكيد على أن الحجم الهائل للتدفق لم يكن متوقعاً. كما تحدث رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، عن اتصالات سابقة مع الحكومة المركزية ومطالب باتخاذ إجراءات استثنائية. وبين هذه التصريحات المتباينة، يبدو أن شيئاً واحداً كان واضحاً: المؤشرات كانت موجودة، والاتصالات كانت موجودة، والاتفاقيات كانت موجودة… أما الاستعداد، فكان يبدو وكأنه العنصر الوحيد الذي قرر الغياب عن الموعد.
أما الحديث عن حالة الإنذار أو الاستثناء، فلا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإعادة كتابة القانون على عجل بعد وقوع الحدث. فالإجراءات الاستثنائية قد تساعد في تنظيم القيادة وتعبئة الموارد وتسريع الاستجابة العملياتية، لكنها لا تلغي الاتفاقيات الدولية، ولا تمنح الحكومة رخصة مفتوحة لتجاوز حقوق طالبي اللجوء، ولا تحول الإعادة إلى عملية جماعية بلا إجراءات. ببساطة، إعلان حالة استثنائية لا يحول القانون إلى ممحاة تمسح كل ما لا يناسب الرواية الرسمية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: مدريد كانت تملك الاتفاقيات والقوانين والأجهزة الأمنية والخبرة الطويلة في تدبير ملف الهجرة، ثم وجدت نفسها، بعد انفجار الأزمة، تعود إلى اتفاق يعود إلى سنة 1992 بحثاً عن مخرج قانوني. وكأن الدولة لم تكن تفتقر إلى الأدوات، بل إلى دفتر التعليمات الذي يخبرها أين وضعت تلك الأدوات!
لذلك، فإن المقال الإسباني يمكن قراءته من زاوية مختلفة تماماً عما أراده كاتبه. فهو لا يقدم بالضرورة رواية تبرئ مدريد، بل يكشف الفجوة بين دولة تملك النصوص على الورق ودولة تستطيع تحويل تلك النصوص إلى إجراءات فعالة على الأرض. فامتلاك اتفاقية لا يعني أن الإدارة جاهزة لتفعيلها، وامتلاك القانون لا يعني امتلاك الموارد البشرية واللوجستية والتنظيمية اللازمة لتطبيقه في ظرف استثنائي.
وفي النهاية، تبدو أزمة سبتة المحتلة أقل ارتباطاً باكتشاف “حل قانوني جديد”، وأكثر ارتباطاً بكشف مشكلة قديمة داخل الإدارة الإسبانية نفسها. فالاتفاق الذي تتحدث عنه “إل إسبانيول” لم ينزل من السماء بعد الأزمة، ولم يُكتب على عجل لإنقاذ مدريد، بل كان موجوداً منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وإذا كانت الرواية الإسبانية تريد إقناع القارئ بأن المشكلة كانت في غياب الأدوات القانونية، فإن الاتفاق نفسه يقول شيئاً مختلفاً تماماً: الأدوات كانت موجودة، والاتفاقيات كانت موجودة، والقوانين كانت موجودة… لكن يبدو أن الأزمة وحدها هي التي نجحت في تذكير مدريد بمكانها.
باختصار، لم تكن مدريد تبحث عن قانون مفقود، بل عن جاهزية مفقودة. والمفارقة أن الدولة التي تتحدث كثيراً عن “حماية الحدود” اكتشفت، عند أول اختبار استثنائي، أن حماية الحدود لا تبدأ عند الأسلاك، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في التحذير، والاستعداد، والتنسيق، وتوفير الوسائل اللازمة.
أما حكاية “اتفاق 1992” باعتباره طوق النجاة الذي كان يمكن أن يحل كل شيء، فتبدو أقرب إلى محاولة العثور على بطل قانوني متأخر لقصة كان بطلها الحقيقي، على ما يبدو، هو الارتباك الإداري نفسه.
وفي النهاية، لم تكن مدريد تفتقر إلى القوانين ولا إلى الاتفاقيات ولا حتى إلى التحذيرات، بل كانت تفتقر إلى الجاهزية عندما حان وقت الاختبار. أما اتفاق “العشرة أيام”، الذي أعادت الرواية الإسبانية اكتشافه بعد أكثر من ثلاثة عقود، فيطرح سؤالاً ساخراً أكثر مما يقدم جواباً: هل كانت مدريد تبحث عن حل للأزمة، أم كانت تبحث فقط عن قانون تبرر به ارتباكها؟
05/09/2026